بين الوعود والواقع.. هل تملك سوريا فعلاً بيئة جاذبة للاستثمارات الإماراتية؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -  دمشق

شهدت دمشق خلال الأيام الماضية زخماً اقتصادياً وإعلامياً واسعاً مع انعقاد المنتدى الاستثماري السوري-الإماراتي الأول، وسط حديث رسمي عن مشاريع بمليارات الدولارات تشمل السياحة والبنية التحتية والموانئ والعقارات والطيران. وبرزت أسماء شركات إماراتية كبرى على رأسها Emaar وEtihad Airways، إضافة إلى مشاريع مطروحة في الساحل السوري ودمشق ومناطق حرة مشتركة. 


لكن خلف هذا المشهد المتفائل، يطرح اقتصاديون ومستثمرون وحتى ناشطون سوريون سؤالاً أكثر واقعية: هل تمتلك سوريا اليوم فعلاً مقومات البيئة الاستثمارية الآمنة القادرة على جذب رؤوس الأموال وتحويل الوعود إلى مشاريع حقيقية؟


بحسب تصريحات رسمية إماراتية، تجاوز حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين 1.4 مليار دولار خلال 2025، فيما تحدث المنتدى عن اتفاقات أولية ومشاريع قد تصل قيمتها إلى عشرات المليارات، بينها مشاريع عقارية على الساحل السوري تصل إلى 7 مليارات دولار، وأخرى في دمشق قد تبلغ 12 ملياراً. 


غير أن التقارير التي واكبت المنتدى نفسه كشفت عن حجم القلق الذي يبديه المستثمرون حيال الواقع السوري الحالي، خصوصاً ما يتعلق بعدم استقرار البيئة النقدية، وتذبذب سعر الصرف، وصعوبة التحويلات المصرفية، وغياب الضمانات القانونية الواضحة لحماية الاستثمارات. كما طالب مستثمرون إماراتيون بـ”ضمانات سيادية” مباشرة وشفافية أكبر في القرارات الاقتصادية والإدارية. 


وتبدو المخاوف أكبر حين يتعلق الأمر بالساحل السوري، الذي يُطرح اليوم كإحدى أبرز الوجهات الاستثمارية المقترحة، رغم استمرار الحديث عن هشاشة الوضع الأمني والتوترات المحلية وضعف البنية الخدمية، في وقت ما تزال فيه شبكات الكهرباء والمياه والنقل والمصارف بعيدة عن أي استقرار حقيقي.


ويرى مراقبون أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بالعقوبات الغربية، خصوصاً بعد تخفيف جزء كبير منها خلال العام الماضي، بل بغياب البنية المؤسساتية القادرة على حماية رأس المال وضمان استمرارية المشاريع على المدى الطويل. 


وفي خضم هذا الجدل، تداول ناشطون مقارنات مع التجربة التركية، حيث سبق أن أعلنت الإمارات وتركيا عام 2023 عن اتفاقيات واستثمارات ضخمة بقيمة 50.7 مليار دولار خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أبوظبي. 


إلا أن تقارير اقتصادية لاحقة تحدثت عن بطء كبير في ترجمة هذه التعهدات إلى استثمارات فعلية، نتيجة تعقيدات التقييم المالي للشركات والأسواق التركية نفسها. 


وفي هذا السياق، علّق أحد الناشطين السوريين بسخرية قائلاً: “إذا كانت الاستثمارات الإماراتية الموعودة لتركيا، صاحبة الاقتصاد الضخم والمؤسسات المستقرة نسبياً، لم تتحول بالكامل إلى مشاريع فعلية، فكيف سيكون الحال مع سوريا؟”


وأضاف: “المستثمر لا يضع أمواله بدافع العاطفة أو السياسة فقط، بل يبحث عن الربح والاستقرار والقدرة على الحركة.”


ويرى اقتصاديون أن الفارق ما يزال كبيراً بين “الإعلان السياسي” و”الاستثمار الحقيقي”، خصوصاً في دولة خرجت من حرب طويلة وما تزال تعاني من انهيار مالي وإداري واسع، وبيئة قانونية غير مستقرة، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالأمن والحوكمة والفساد.


ومع ذلك، لا يستبعد مراقبون أن تشهد سوريا خلال المرحلة المقبلة دخول استثمارات خليجية انتقائية ومحدودة، تتركز في قطاعات سريعة الربح كالعقارات والسياحة والمرافئ، لكنهم يستبعدون حتى الآن تحوّل البلاد إلى بيئة استثمارية مستقرة وقادرة على استيعاب تدفقات مالية ضخمة بالشكل الذي يُطرح إعلامياً.