نبض سوريا - خاص
على مائدة متواضعة في قرية وادي العيون بريف طرطوس، لا يزال الطبق الرابع يُرفع كل مساء، إنه طبق زينة، منذ 164 يوماً، ترفض والدتها رفعه، كأنها بذلك ترفض التصديق أن ابنتها ذات الواحد والعشرين عاماً، والأم لثلاثة أطفال، قد تكون ابتُلعت في فراغ الغياب القسري الذي يمزق الساحل السوري.
زينة عيسى محمود لم تختفِ فحسب؛ لقد خُطفت في وضح النهار. وصارت، في صمتها المرعب، صوتاً لعشرات النساء اللواتي تكشف قصصهن عن نمط ممنهج من الاختفاء القسري، تغذيته الإفلات من العقاب، ويخذله صمت السلطات.
صباح عادي تحول إلى كابوس
في الأول من كانون الأول 2025، غادرت زينة منزلها متوجهة إلى مدينة طرطوس، على بعد كيلومترات قليلة. كانت مهمتها بسيطة: تحصيل مبلغ مالي. عند الساعة 1:30 بعد الظهر، أجرت آخر مكالمة هاتفية. "خلصت كل شي، رح رجع ع البيت"، قالت لعائلتها بصوت يملؤه الاطمئنان. بعدها، صمت هاتفها إلى الأبد.
آخر إحداثية معروفة لهاتفها وضعتها في كراج طرطوس، نقطة عبور مزدحمة يفترض أنها آمنة. هناك، في قلب المدينة، تبخرت زينة.
18 ثانية من الرعب
في اليوم التالي، اخترق الصمتَ صوتُ رنين هاتف شقيقة زينة. ظهر اسم زينة على الشاشة. لكن ما شاهدته الأسرة في مكالمة فيديو لم تدم سوى 18 ثانية، كان كابوساً متجسداً.
تظهر زينة في تسجيل المكالمة ، جالسة في زاوية غرفة، ويداها مربوطتان، لم تكن تبكي. كانت عيناها شاخصتين في فراغ الصدمة، تبدو كمن انتُزعت روحه. ثم ظهر رجل، عرّف عن نفسه بصوت أجش باسم "الشيخ أبو خالد". قال ببرود: "البنت عندنا"، ثم أردف مهدداً العائلة بعواقب وخيمة إن تحدثوا أو أبلغوا أي جهة. طالب بتسليم شخص آخر مقابل إطلاق سراحها. ثم أُغلق الخط.
منذ تلك اللحظة، ساد ظلام دامس، انقطع هاتف زينة عن الخدمة بالكامل، لم تصل أي رسالة فدية أخرى، ولا دليل حياة، ولا حتى تسجيل صوتي، 164 يوماً من العدم المطلق.
ظاهرة مرعبة وموثقة
قصة زينة ليست معزولة، إنها الحلقة الأكثر إيلاماً في سلسلة من حوادث اختفاء قسري استهدفت نساء وفتيات من الطائفة العلوية على طول الساحل السوري منذ أواخر عام 2025، وثقت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية سورية ما لا يقل عن 8 حالات خطف وقعت في وضح النهار، وسط تقاعس مريب من قوات الأمن.
وقالت ديما الحلبي، باحثة في شؤون سوريا بمنظمة العفو الدولية: "ما يحدث في الساحل السوري ليس جرائم فردية متفرقة، بل نمط مرعب من الهجمات التي تستهدف النساء على أساس هويتهن. الأمر الأكثر إدانة هو أن بعض عمليات الخطف تجري على مرأى من عناصر الأمن الذين يتجاهلونها بالكامل، بل إن عائلات بعض الضحايا أبلغونا أن السلطات نهرتهم وألقت عليهم اللوم".
الأمم المتحدة، من جانبها، أعربت عن "بالغ قلقها" إزاء تقارير الاختفاء القسري لنساء وفتيات في المنطقة الساحلية. لكن القلق الدولي، حتى الآن، لم يُترجم إلى أفعال ملموسة على الأرض، ولم يُسفر عن نتيجة واحدة تذكر تعيد أمّاً إلى أطفالها.
سلطات تنكر، وعائلات تبحث
في تقرير استقصائي مطول، كشفت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ووسائل إعلام أخرى النقاب عن شهادات مروعة لعائلات تعيش الكابوس نفسه، وتقدر عدد النساء المفقودات بأكثر من 80 حالة. وأكد التقرير أن السلطات السورية تنكر وجود هذه الظاهرة، معترفة بحالة واحدة فقط، بينما يواصل الأهالي بحثهم اليائس بأنفسهم، متنقلين بين الكراجات والمستشفيات وحتى المشارح، دون أي مساعدة أو توجيه رسمي.
هذا النكران الرسمي يضاعف المأساة، فهو لا يترك العائلات في دوامة من الحزن فحسب، بل يدفع بها إلى حافة الجنون وهي تبحث في العتمة عن أي خيط أمل.
في بيت زينة، لا تزال الحياة معلقة، والدتها، التي ترفض أن يلمس أحد طبق ابنتها: "أستيقظ كل ليلة على صوت بكاء أصغر أطفالها. يسألني: متى تأتي ماما؟ ماذا أقول له؟ أقول له قريباً، أقول لها في قلبي: اصبري يا بنتي، أنا قادمة إليكِ أينما كنتِ".
وتضيف بصوت يخنقه الغضب: "حسبي الله ونعم الوكيل في كل من كان سبباً في ألمنا، وفي كل من تخاذل عن إنقاذها وهي تنادي".
اليوم، مع مرور 164 يوماً، لم يعد السؤال "أين زينة؟" مجرد استفسار عن مصير شابة مختطفة، إنه سؤال عن معنى العدالة في بلد يبتلع ضحاياه. إنه صرخة في وجه عالم يكتفي بـ "القلق"، بينما تواصل نساء مثل زينة الاختفاء في وضح النهار، تاركات خلفهن أمهاتٍ ينتظرن، وأطفالاً يسألون، وطبقاً لا يزال في انتظار صاحبته.