نبض سوريا -
تتزايد خلال الأشهر الأخيرة الإعلانات عن مشاريع واستثمارات عربية وأجنبية داخل سوريا، خصوصاً بعد الانفتاح السياسي النسبي وعودة الاتصالات الإقليمية مع دمشق، إلا أن عدداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يعتبرون أن البلاد ما تزال تفتقر إلى البيئة القانونية والأمنية الكفيلة بتحويل هذه الوعود إلى استثمارات مستقرة وطويلة الأمد.
وفي أحدث التقديرات، حذّر تقرير صادر عن “المعهد الأوروبي للدراسات الأمنية” من أن تطبيع العلاقات الاقتصادية مع سوريا “لن يكون ذا تأثير فعلي” طالما يواجه المستثمرون الفساد وضعف القضاء وغياب الشفافية وتدهور البنية التحتية، معتبراً أن إعادة الإعمار تحتاج أولاً إلى “إصلاح مؤسسات الدولة وقواعد العمل الاقتصادي”.
وأشار التقرير إلى أن السلطات السورية ما تزال تفتقر إلى أجهزة إدارية فعّالة قادرة على إدارة مشاريع إعادة الإعمار والاستثمارات الخارجية، في وقت تستمر فيه مشاكل الدين العام والانقسامات المحلية وضعف الخدمات الأساسية.
وفي السياق نفسه، رأت “مؤسسة ريسك أدفايزوري للاستشارات والمخاطر” أن تخفيف العقوبات الغربية لا يعني انتهاء المخاطر أمام المستثمرين، موضحة أن “المخاوف الأمنية وعدم اتساق العقوبات بين الولايات المتحدة وأوروبا” ما تزال تشكل عائقاً رئيسياً أمام الشركات الدولية الراغبة بالدخول إلى السوق السورية.
أما “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” فحذّرت في دراسة حديثة من أن تدفق الأموال إلى سوريا قد يفتح الباب أمام “الفساد وتمويل الشبكات المسلحة” في ظل غياب آليات رقابة مالية شفافة، لافتة إلى أن كثيراً من اتفاقيات الاستثمار يجري التفاوض حولها بعيداً عن الوضوح المؤسسي والقانوني.
وفي تقرير آخر، نقلت صحيفة “المدن” عن رجال أعمال وخبراء اقتصاديين مخاوف من أن بعض القرارات التنظيمية الجديدة قد تعطي “إشارات سلبية” للمستثمرين الأجانب، خصوصاً مع فرض قيود على تسجيل الوكالات التجارية للشركات غير السورية، الأمر الذي قد يدفع المستثمرين إلى التردد أو البحث عن أسواق بديلة.
من جهته، أشار تقرير “مؤشر التحول بي تي آي” إلى أن الاقتصاد السوري ما يزال يعاني من انهيار البنية الإنتاجية وارتفاع البطالة وضعف حماية الملكية الخاصة واستمرار الفساد، مؤكداً أن جذب الاستثمارات الأجنبية “سيبقى محدوداً دون تحسن ملموس في الحوكمة والأمن والشفافية المالية”.
وفي تعليق للباحث في الشؤون الدولية محمد هويدي، اعتبر أن “العقدة الحقيقية لا تكمن في غياب الرغبة بالاستثمار، ولا في نقص الوعود أو المؤتمرات والتفاهمات السياسية، بل في مدى الالتزام الفعلي بالتوصيات المطلوبة لتهيئة البيئة المناسبة لبدء أي مشروع استثماري حقيقي. ولن أقول هنا “الشروط الخليجية” فقط، لأن المسألة باتت تتجاوز البعد الخليجي إلى قناعة دولية وإقليمية مشتركة بأن أي أموال تُضخ دون إصلاحات واضحة ستكون عرضة للهدر والفوضى والانهيار من جديد”.
وأضاف هويدي أن “كل الحديث عن مشاريع استثمارية، وإعادة إعمار، ودعم اقتصادي، يبقى مؤطَّراً بشروط دقيقة ومحددة، تتعلق بالأمن والاستقرار، وبناء المؤسسات، وضبط السلاح، ومحاربة الفساد، ووجود بيئة قانونية قادرة على حماية المستثمر قبل رأس المال نفسه. فالدول لا تستثمر بالعواطف ولا بالشعارات، بل وفق حسابات المصالح والضمانات والاستقرار طويل الأمد”.
وتابع: “المشكلة أن البعض يتعامل مع الوعود الاقتصادية وكأنها استحقاق سياسي تلقائي، بينما الواقع يقول إن هذه الوعود مرتبطة بخطة علاج كاملة، والمطلوب ليس فقط الحصول على الدعم، بل الالتزام بالعلاج حتى النهاية. فالمريض الذي يرفض الدواء، أو يصر على تكرار الأسباب التي أوصلته إلى الانهيار، لن ينجح مهما كثرت الوعود حوله”.
وختم بالقول إن “أي حديث عن مليارات واستثمارات كبرى قبل معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، يبقى أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى الواقع الاقتصادي الفعلي”.
وبينما تتحدث الحكومة السورية عن إصلاحات مالية ومصرفية ومحاولات لجذب رؤوس الأموال، يرى مراقبون أن أي نهضة اقتصادية حقيقية ستظل مرتبطة بقدرة الدولة على توفير بيئة مستقرة قانونياً وأمنياً، بعيداً عن الضبابية السياسية والمخاطر الأمنية التي ما تزال تلقي بثقلها على المشهد السوري.