“تشريع الخردة” وفتح أبواب التهريب..
قرار جديد يفتح المناطق الحرة في سوريا أمام السيارات المستعملة

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

فجّر القرار الأخير الصادر عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، والقاضي بالسماح بإدخال السيارات المستعملة إلى معارض المناطق الحرة وتفعيل نشاط قصّ وتقطيع السيارات، موجة واسعة من الانتقادات والآراء السلبية في الأوساط الاقتصادية والتجارية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية وبيئية وأمنية قد تنعكس على السوق السورية المنهكة أساساً.


وكانت الهيئة قد أصدرت القرار رقم /44/ لعام 2026، الذي يسمح للمستثمرين بإدخال السيارات المستعملة الموجودة في دول الجوار إلى المناطق الحرة، بموجب تعهدات خطية تمنع بيعها أو تسجيلها داخل سوريا، مع السماح بتفكيكها وقصّها داخل المناطق الحرة حصراً.


ورغم تبرير القرار بأنه يهدف إلى دعم المستثمرين وتنظيم عمل المناطق الحرة، إلا أن ردود الفعل التي أعقبته اتسمت بقدر كبير من التشاؤم والرفض، حيث اعتبر كثيرون أن الخطوة تمثل “تحويلاً ممنهجاً لسوريا إلى سوق للسيارات الخردة وقطع التبديل المستعملة”، بدلاً من العمل على إدخال سيارات حديثة أو تطوير قطاع النقل والبنية التحتية.


وانتشرت تعليقات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد ما وصفته بـ”القرارات الترقيعية”، معتبرة أن الحكومة تتجه نحو تدوير الأزمات بدلاً من حلّها جذرياً، فيما رأى آخرون أن السماح بقصّ السيارات وتفكيكها قد يفتح الباب أمام عمليات تهريب واسعة وإعادة تجميع السيارات بطرق غير قانونية.


وفي تصريحات متداولة لعدد من تجار السيارات والعاملين في السوق، برزت مخاوف من تسرب السيارات أو هياكلها إلى الداخل السوري بعيداً عن الرقابة الجمركية، الأمر الذي قد يؤدي إلى إغراق السوق بسيارات غير نظامية تُباع بأسعار منخفضة لعدم خضوعها للرسوم الجمركية، وهو ما قد يوجّه ضربة قاسية لتجارة السيارات النظامية داخل البلاد.


كما ركّزت الانتقادات على البعد البيئي للقرار، خاصة مع السماح بنشاط تفكيك السيارات داخل المناطق الحرة، حيث حذر اقتصاديون وناشطون من تحوّل تلك المناطق إلى “مقابر للسيارات” وورش صناعية ملوّثة، تنتج كميات كبيرة من الزيوت والبطاريات والمواد الكيميائية دون وجود توضيحات رسمية حول آليات معالجة هذه النفايات أو الحد من آثارها البيئية.


الخبير الاقتصادي الدكتور شادي أحمد كان من أبرز المنتقدين للقرار، إذ اعتبر أن الخطوة “تكرّس سياسة الترقيع بدلاً من التطوير”، مؤكداً أن الاعتماد على السيارات القديمة وقطعها المستعملة سيؤدي إلى استمرار وجود أسطول متهالك في الشوارع السورية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تتعلق بالسلامة العامة وارتفاع معدلات الحوادث والأعطال.


وأضاف أحمد أن القرار يعكس هروباً من المشكلة الأساسية، وهي غياب القدرة على استيراد سيارات حديثة تناسب احتياجات السوق السورية، عبر الاكتفاء بإطالة عمر السيارات القديمة التي تعود في معظمها إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.


وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ومنتديات النقاش، ربط كثير من المعلقين بين القرار الجديد وبين القرارات السابقة المتعلقة بمنع استيراد السيارات المستعملة، معتبرين أن السياسات الحكومية تجاه قطاع السيارات تتسم بالتخبط وعدم الاستقرار، وأنها تصب في مصلحة فئات محددة من التجار والمستثمرين أكثر من خدمة المواطن العادي. 


وفي إحدى المناقشات المتداولة، اعتبر مستخدمون أن الحل الحقيقي لأزمة النقل لا يكون عبر “استيراد الخردة أو تدوير السيارات القديمة”، بل من خلال تحسين النقل العام، ووضع ضوابط فنية صارمة، والسماح باستيراد سيارات مطابقة للمواصفات الفنية والبيئية.


كما اتهم بعض المعلقين جهات تجارية بالضغط باتجاه مثل هذه القرارات لتحقيق مكاسب اقتصادية، في وقت يعاني فيه المواطن السوري من ارتفاع أسعار السيارات وتراجع القدرة الشرائية وأزمة النقل الخانقة. 


وبحسب ما تم رصده حتى الآن، لم تصدر توضيحات حكومية موسعة ترد بشكل مباشر على الانتقادات المتزايدة، باستثناء التأكيد الرسمي على أن القرار يخضع لضوابط تمنع تسرب السيارات إلى السوق المحلية، وأن عمليات القصّ والتفكيك ستكون تحت إشراف الجهات الجمركية المختصة.