ثلاثة أشهر تفصل سوريا عن الهاوية: خبير يرسم خريطة إنقاذ اقتصادي

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

كشف المحلل الاقتصادي محمد علبي من خلال قراءته للواقع الاقتصادي خلال العام الحالي عن مؤشرات نقدية ومالية غير "مطمئنة" مؤكدا فيها أن الأرقام لا تكذب، لكن من يتعامل معها بعشوائية قد يقود البلاد نحو انهيار لا تحمد عقباه.


وشدّد علبي خلال مقال نشره على صفحته "فيسبوك" على أن المؤشرات النقدية والمالية خلال الأشهر الأولى من العام حملت علامات خطر لم تحظَ بالتعامل الجاد المطلوب، محذراً من أن الفجوة بين التصريحات المتفائلة والحقائق الميدانية قد تحوّل أي محاولة إصلاحية إلى مجرد شعارات، ما لم تُتخذ خطوات جريئة خلال نافذة زمنية ضيقة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. 


بدأ علبي بسنة 2026 التي افتُتحت بقرار استبدال العملة، لافتاً إلى أن الأسواق تعاملت مع هذا القرار – بغض النظر عن صوابيته – بتوقعات توسع الكتلة النقدية، مما أشعل المضاربة والطلب التحوطي على الدولار، وأحدث ضغوطاً حادة على سوق الصرف.


استغرب  الكاتب كيف صدر في شهر آذار خطاب رئاسي تفاءل بنمو اقتصادي بلغ 35%، بينما تقديرات مركز بحوث السياسات لا تتجاوز النمو الحقيقي لعام 2025 نسبة 0.3% فقط. ويلفت إلى أن وزارة المالية لم تقدم أي تفسير اقتصادي مقنع لهذه الفجوة، بل انعكس ذلك التفاؤل في موازنة 2026 التي توسعت بنحو 209% مقارنة بموازنة 2025، علماً أن الأخيرة كانت انكماشية نسبياً بفضل تحقيقها فائضاً مالياً.


أوضح  علبي أن التوسع المالي ليس مشكلة بذاته، لكنه يصبح كارثياً حين يحدث في اقتصاد ضعيف الإنتاج، منخفض الاستثمار، هش التمويل، ومحدود القدرة على توليد القطع الأجنبي فبعد زيادات الرواتب والأجور في 2025، ثم موازنة 2026 الموسعة، كان متوقعاً أن ترتفع توقعات الطلب النقدي والاستهلاكي دون أي توسع موازٍ في الإنتاج المحلي وهنا يتحول الإنفاق التوسيع حتماً حسب الكاتب  إلى ضغوط تضخمية، تزيد الطلب على الدولار والمستوردات، وتضغط على سعر الصرف، وتؤدي إلى تآكل سريع للأجور والدخول الحقيقية بدلاً من تحسينها.


لاحظ علبي  أن الاستجابة لهذا المشهد المعقد لم تكن سوى تشديد الانضباط المالي والنقدي على حساب القدرة الشرائية للمواطنين، عبر تعميق حبس السيولة، والاستمرار في تقليص الدعم عن سلع أساسية كالمحروقات والخبز وفي المقابل، لم تظهر حتى الآن أي آثار ملموسة للإنفاق الاستثماري الكبير الموعود في الموازنة، مما يعزز الانطباع بوجود فجوة بين الأرقام والقدرة الفعلية على التمويل والتنفيذ.


واضاف  علبي أن العوامل الجيوسياسية الضاغطة منذ آذار ساهمت في تضخم مستورد، لكن جوهر المشكلة يبقى محلياً ويستحق وصف "المخيف".


أكد  علبي اعتقاده بأن الفرصة لا تزال موجودة، وهناك نافذة زمنية تمتد لثلاثة أشهر يمكن خلالها إجراء إصلاحات جادة فمع توقعات زيادة تدفقات التحويلات، والنشاط السياحي الموسمي، وانخفاض الطلب المؤقت على الدولار، واحتمالية انفراجة جيوسياسية خلال الصيف، يمكن لهذه الفترة أن تشكل نافذة استقرار مؤقتة تسمح بإصلاحات كان يجب البدء بها منذ اليوم الأول.


 وقدم الكاتب مجموعة من الإصلاحات اولها استعادة الحد الأدنى من الثقة المؤسسات إذ يؤكد علبي أن أول خطوة هي نشر بيانات واضحة وقابلة للتحقق حول الإيرادات، والعجز، والإنفاق الفعلي، والكتلة النقدية. لأن الأسواق، كما يقول، تكره الغموض أكثر مما تكره الأزمات نفسها.


كما دعا المختص في الشأن الاقتصادي إلى  إعادة توجيه الإنفاق العام بمعنى تحويل الإنفاق من الاستهلاكي الجاري إلى الاستثماري الإنتاجي، خصوصاً في الزراعة (زيادة أسعار القمح)، والطاقة (تقليص الفاقد وتقديم تسهيلات في الدفع، والاستفادة من انخفاض الأسعار العالمية لتخفيض المحروقات)، وإعادة تنشيط الصناعة والنقل، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية ويشترط لذلك مراجعة شاملة لأجور موظفي حكومة الإنقاذ، والرواتب الخيالية لما تسميهم الحكومة "خبراء"، مما يساعد على تمويل الزيادات الأخيرة في الأجور، وإصلاح سلم الرواتب، وتحقيق استدامة وعدالة أكبر.


كما شدد علبي على أن إعادة هيكلة القطاع المصرفي (العام والتجاري) تأخرت بشكل مريع، وأن أي محاولة لإنعاش الاقتصاد أو جذب الاستثمار أو ضبط السوق النقدية لن تنجح دون قطاع مصرفي سليم. 


وأوضح أن السوريين بحاجة إلى تمويل عاجل، والمصارف تعاني من ضعف الرسملة وغياب الأدوات التمويلية، مؤكداً أن الحديث لا يدور عن مليارات الدولارات، بل عن تمويل متواضع لتحريك الأسواق وتخفيف الركود.


وأكد على ضرورة رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جوهر المشكلة. فهذه القائمة، إلى جانب التصنيف على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، تقف عائقاً كبيراً أمام أي تعاون مع صندوق النقد الدولي، فالقانون الأمريكي يمنع الصندوق من إبرام اتفاقيات مع دول مصنفة على هذه القائمة.


 وحول دور صندوق النقد شرح علبي ان الصندوق  لا يقتصر على التمويل، بل يمتد إلى منح إشارات ثقة للأسواق والمؤسسات والدول المانحة والمستثمرين حول جدية الإصلاح واستقرار المسار الاقتصادي وفي الحالة السورية، فإن أي محاولة لإعادة جذب الرساميل والاستثمارات وإعادة دمج الاقتصاد بالنظام المالي العالمي ستكون شبه مستحيلة دون هذا المسار.


ختم علبي مقاله قائلاً: ما تزال هناك نافذة ضيقة يمكن عبرها احتواء الاختلالات ومنع الاقتصاد من الانزلاق نحو أزمة أعمق لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة طويلاً بحلول شهر أكتوبر، إذا لم نحرز تقدماً ملموساً في هذه الإصلاحات، سنواجه أزمة اقتصاد وسيولة مخيفة.


وبين أن أمام السوريين خياران لا ثالث لهما: إما أن تتحول الأشهر القادمة إلى بداية مسار إصلاحي حقيقي، أو إلى فرصة ضائعة جديدة سيدفع ثمنها الشعب لسنوات قادمة.