نبض سوريا - الحسكة
في وقت تتوسع فيه الشراكات والاتفاقيات الاقتصادية التركية داخل سوريا، من قطاعات الطاقة والصحة إلى تجارة الحبوب، تتواصل الحرائق التي تضرب الأراضي الزراعية السورية وتحصد آلاف الدونمات المزروعة بالقمح، فمن درعا جنوباً إلى إدلب وحلب شمالاً، وصولاً إلى دير الزور والحسكة شرقاً، تتكرر مشاهد النيران التي تلتهم الحقول، حتى باتت حرائق الموسم حدثاً شبه يومي لا تكاد تنطفئ واحدة منها حتى تندلع أخرى، في نمط ممنهج يثير تساؤلات حول من يقف خلف هذه الكارثة المتجددة التي تهدد الأمن الغذائي للسوريين.
وفي هذا السياق، تأجج حريق واسع اندلع في محيط قرية ليلان بريف تل تمر الغربي، بعد أن أشعلته القاعدة التركية المتمركزة في المنطقة، وفق ما أفادت به مصادر محلية، ما أدى إلى امتداد النيران نحو الأراضي الزراعية والمحاصيل المزروعة بالقمح، في حلقة جديدة من سلسلة حرائق مفتعلة تطال الموسم الزراعي الأهم في سوريا، وتأتي في توقيت دقيق مع اقتراب انتهاء موسم الحصاد، مما يزيد من وطأة الخسائر على المزارعين الذين يعتمدون على هذا المحصول كمصدر رئيسي للعيش.
وأشارت المصادر إلى أن ألسنة اللهب انتشرت بسرعة بفعل الظروف الجوية والرياح النشطة، وسط مخاوف حقيقية من وصولها إلى مساحات إضافية من الحقول الزراعية المجاورة، الأمر الذي يهدد بخسائر جديدة ومضاعفة للمزارعين، خاصة مع صعوبة السيطرة على النيران في ظل غياب الإمكانيات اللازمة وعدم توفر آليات إطفاء كافية في المنطقة، ما يُلقي بظلاله على الموسم الزراعي بأكمله ويهدد بتداعيات إنسانية واقتصادية خطيرة.
وعلى إثر ذلك، أعلنت فرق الطوارئ في مدينة تل تمر حالة الاستنفار، وتوجهت آليات الإطفاء إلى المنطقة بالتعاون مع الأهالي في محاولة للسيطرة على الحريق ومنع توسعه إلى حقول مجاورة، وسط جهود ميدانية مكثفة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المحاصيل، لكن سرعة انتشار النيران وضخامة المساحات المحترقة تجعل المهمة صعبة، وتثير تساؤلات حول مدى قدرة الفرق المحلية على مواجهة هذه الكوارث المتعمدة دون دعم حقيقي من الجهات المعنية.
ويأتي الحادث في ظل سلسلة من الحرائق المتكررة التي شهدتها أرياف تل تمر وزركان خلال الفترة الماضية، والتي تسببت بخسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية والممتلكات الخاصة، فيما تتواصل الجهود الميدانية لإخماد النيران والحد من أضرارها، لكن الأهالي والمزارعين يطالبون بتحقيق دولي في هذه الجرائم المتكررة ضد الأمن الغذائي السوري، ومحاسبة المتورطين فيها، وعلى رأسهم القوات التركية التي تتكرر اتهاماتها بإشعال الحرائق في مناطق متعددة من سوريا، دون أي رادع أو عقاب، في مشهد يعكس استمرار سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها أنقرة بحق الشعب السوري وأراضيه الزراعية.
وبينما تتواصل جهود الإطفاء في ريف تل تمر، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا تتزامن الحرائق الموسمية مع توسع النفوذ التركي في المناطق الزراعية السورية؟ وإذا كانت أنقرة تسعى عبر شراكاتها الاقتصادية إلى مد جسور التعاون مع سوريا، فكيف تفسر في الوقت ذاته تدميرها لمصدر الغذاء الأساسي للسوريين؟ وهل يُعقل أن تكون كل هذه الحرائق مجرد صدف متكررة، أم أنها جزء من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إضعاف القطاع الزراعي وخلق أزمة غذاء خانقة، في وقت تتربع فيه تركيا على عرش تجارة الحبوب في المنطقة؟