لماذا غاب التصفيق ودقيقة الصمت؟
قراءة في المشهد الفقهي للجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

أثارت الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب في سوريا موجة من التساؤلات حول غياب طقوس معتادة في مثل هذه المناسبات، حيث تساءل البعض عن سبب امتناع أعضاء المجلس عن التصفيق خلال كلمة الرئيس أحمد الشرع، وعن عدم الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح غرقى عبارة نهر الفرات في ديرالزور، إضافة إلى استفسار حول جواز قراءة الفاتحة على أرواح الشهداء والموتى وفق المنهج السلفي الذي تتبناه السلطة الحالية.


وفي هذا السياق، يعرض الكاتب والباحث التنويري أحمد الرمح، في قراءة فقهية معمقة، آراء المدرسة السلفية في هذه المسائل الثلاث، قبل أن يستعرض مواقف المذاهب الفقهية الأخرى من هذه القضايا، في محاولة لفهم الأبعاد الدينية والاجتماعية لهذه الممارسات في المشهد السوري الجديد.


الموقف السلفي من التصفيق.. بدعة وتشبه بالكفار


في الفقه السلفي، يُنظر إلى التصفيق على أنه "بدعة منكرة" و"تشبه بالكفار"، وهو ما يندرج ضمن المحرمات الشرعية التي تستوجب النهي. ويستند السلفية في هذا الموقف إلى نصوص دينية وتفسيرات تراثية، حيث يُستشهد بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً)، وقد فسّر علماء التفسير "المكاء" بأنه الصفير، و"التصدية" بأنها التصفيق، ليكون ذلك دليلاً على أن هذه الممارسات من أعمال الجاهلية التي نبذها الإسلام.


ويُفصّل المرجع السلفي البارز الشيخ ابن باز في هذا الشأن، حيث يقول: "التصفيق من سنة الجاهلية، ولا ينبغي فعله، إنما عند التعجب وعند التعظيم يقول: سبحان الله، أو: الله أكبر، الله أكبر" ويضيف أن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا عندما يأتي ما يعظم يقولون "الله أكبر" أو "سبحان الله"، أما التصفيق عند الإعجاب بخطبة أو موعظة أو كلمات، "فهذا كله خلاف سنة الله، ما سنّه رسولُه ﷺ".


ويقول الشيخ محمد صالح المنجد، أحد مراجع السلفية المعاصرة، أن "التصفيق في الحفلات من أعمال الجاهلية"، مشيراً إلى أن أقل ما يُقال فيه الكراهة، لكن الأظهر في الدليل هو تحريمه، لأن المسلمين منهيون عن التشبه بالكفرة، مستشهداً بالآية الكريمة نفسها، ومؤكداً أن النهي عن التشبه بالكفار قاعدة أصولية راسخة في الفقه السلفي.


دقيقة صمت.. بدعة محدثة لا أصل لها في الإسلام


أما فيما يتعلق بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء أو الموتى، وهو ما غاب عن الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب السوري، فقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السلفية فتوى قاطعة بهذا الشأن، حيث جاء في قرارها (2/214-215) أن "الوقوف دقيقة صمت تحية للشهداء أو الموتى، أو تكريماً لهم، أو حداداً عليهم، وتنكيس الأعلام، كل ذلك من المنكرات والبدع المحدثة التي ليس لها مستند لا من كتاب ولا سنة".


وتستند اللجنة في فتواها إلى أن "الإحداد على الميت عبادة محددة الكيفية والمحل"، وأن مثل هذه الأمور "يفعلها الجهال من المسلمين تقليداً للكفرة"، مستشهدة بحديث النبي ﷺ: "من تشبه بقوم فهو منهم"، وبالحديث الآخر: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، أي مردود على صاحبه لا يُقبل منه، وفق المنظور السلفي.


قراءة الفاتحة على الموتى.. بين النفي السلفي والإجازة الفقهية


وفيما يخص قراءة الفاتحة على أرواح الشهداء والموتى، وهو سؤال ثالث أثارته الجلسة الافتتاحية، يتبنى الفقه السلفي حسب الكاتب موقفاً رافضاً لهذه الممارسة، حيث أجاب الشيخ ابن باز، أحد أبرز مراجعهم، قائلاً: "ليس لهذا أصل، هذا هو الصواب، إنما يُدعى للميت بالمغفرة والرحمة، ودخول الجنة والنجاة من النار، يتصدق عنه بالمال، يحج عنه، يعتمر عنه، هذا هو الوارد، أما أن يقرأ عنه القرآن ويثوب له، هذا ليس له أصل".


موقف المذاهب الأخرى.. التصفيق ودقيقة الصمت مشروع


في المقابل، تتباين المواقف الفقهية بشكل لافت بين المدرسة السلفية وبقية المذاهب الإسلامية الأخرى، حيث يتبنى الأزهر الشريف والحنفية والشافعية والمالكية آراءً أكثر مرونة في هذه المسائل.


أولاً: التصفيق – لا يرى الأزهر الشريف مانعاً من التصفيق إذا كان مجرد وسيلة للتعبير عن التقدير أو الترحيب، ما دام لا يشتمل على محرم أو تعظيم غير مشروع، في حين يرى الأحناف والمالكية أنه لا يوجد تحريم عام للتصفيق في المناسبات العادية، وإن كان بعض العلماء يكره الإكثار منه إذا كان من باب التشبه بعادات اللهو أو أدى إلى محذور شرعي.


ثانياً: دقيقة صمت – صدرت عن عدد من علماء الأزهر ودار الإفتاء المصرية فتاوى تجيز الوقوف دقيقة صمت، إذا كان المقصود بها الاحترام والتعبير عن الحزن، وليس عبادة ولا اعتقاداً دينياً. أما الحنفية والمالكية، فقد اختلف العلماء المعاصرون فيها؛ فمنهم من أجازها باعتبارها عادة اجتماعية لا عبادة، ومنهم من كرهها أو منعها لكونها ليست من السنن الإسلامية.


ثالثاً: قراءة الفاتحة للميت – تعتبر جائزة عند الأزهر والحنفية، في حين أن المالكية فيها خلاف، رغم أن كثيراً من متأخريهم يجيزون إهداء ثواب القراءة للميت، وهو موقف يتسق مع التقاليد الإسلامية الراسخة في معظم المجتمعات المسلمة.


 غياب الطقوس.. خيار سلفي أم توجه سياسي؟


في ختام هذه القراءة الفقهية، يرى الكاتب أحمد الرمح أنه لا يستطيع الجزم بوجود أمر رسمي من السلطة السلفية في سوريا بمنع التصفيق أو الوقوف دقيقة صمت خلال الجلسة الافتتاحية، لكنه يعرض ما هو متفق عليه في المنهج السلفي من آراء فقهية تحرم هذه الممارسات وتعتبرها بدعاً وتشبّهاً بالكفار، وهو ما يفسر، في سياق المشهد السوري الجديد، غياب هذه الطقوس عن الجلسة، في تناقض واضح مع الممارسات المعتمدة في المجالس النيابية العربية والدولية، ومع تقاليد المذاهب الإسلامية الأخرى التي تجيز مثل هذه الممارسات في إطار العادات الاجتماعية غير المتصلة بالعبادة.