انفجار العيس يفضح هشاشة السلطة الانتقالية.. خمسة انفجارات في مستودعات الذخيرة خلال 21 يوماً

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة

لم يعد انفجار مستودع الذخيرة في العيس بريف حلب الجنوبي حادثاً منفرداً يمكن التعامل معه كخلل عابر أو واقعة أمنية منفصلة فحين تتكرر الانفجارات داخل مواقع عسكرية يفترض أنها تخضع لرقابة وزارة الدفاع، في الحكومة الانتقالية وتتضارب الروايات الرسمية حول حجم الخسائر، بينما تبقى أسباب الحوادث السابقة بلا نتائج تحقيق معلنة، فإن المسألة تتجاوز حدود الانفجار نفسه لتضع أداء السلطة الانتقالية وقدرتها على إدارة مخزونها العسكري وحماية مناطقها وسكانها أمام اختبار مباشر.


في مشهد أعاد إلى الأذهان سلسلة الكوارث التي ضربت مستودعات الذخيرة خلال الأسابيع الماضية، اهتزّ محيط بلدة العيس  على وقع انفجار هائل في مستودع للذخيرة ، لم تلبث أن تبعته انفجارات متتالية حالت دون تمكن فرق الدفاع المدني من الوصول إلى الموقع لساعات، بينما تصاعدت ألسنة النيران وشظايا الذخائر في سماء المنطقة، ودفعت الأهالي إلى الفرار من منازلهم. 


وبينما اكتفت "وزارة الدفاع" بالقول إن الأضرار «اقتصرت على المادية دون تسجيل خسائر بشرية»، أكد الدفاع المدني إصابة أربعة مدنيين، بينهم من أُصيب بشظايا وآخرون تعرضوا لضيق في التنفس، إضافة إلى إخلاء ثلاث عائلات من محيط الموقع. 


هذا التضارب لم يكن هامشياً، بل كشف عن عجز الحكومة الانتقالية عن تقديم رواية موحدة حول ما يجري في أهم مستودعاتها العسكرية، وعن استمرار النهج نفسه في التعامل مع كل حادث وكأنه وقع في جزيرة معزولة عن سابقه.


العيس.. موقع لم يخرج من الحسابات العسكرية


الوجود التركي في منطقة العيس ليس جديداً ولا عابراً ففي كانون الثاني 2018، دخل رتل عسكري تركي مؤلف من أكثر من مئة آلية، بينها دبابات ومدرعات، إلى بلدة العيس، وبدأ بإنشاء نقطة عسكرية على تلة العيس الاستراتيجية تنفيذاً لاتفاق أستانا. 


ووُصفت النقطة بأنها الرابعة من نوعها للجيش التركي في سوريا والأعمق على الإطلاق، إذ وضعت القوات التركية على بعد أقل من خمسة كيلومترات من الأراضي الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية السابقة  . 

لكن هذا التمركز لم يطل طويلا  في المنطقة فقد قصفت القوات السورية الرتل التركي بالمدفعية فور دخوله، وأصابت جنديين تركيين، قبل أن تُرغم الرتل على الانسحاب في محاولة سابقة. 


وبحلول كانون الأول 2020، اضطرت تركيا إلى إخلاء نقطة العيس بالكامل بعد هجمات متواصلة، في اعتراف ضمني بفشل نموذج «نقاط المراقبة».


 وبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، عادت تركيا إلى توسيع نفوذها في المؤسسات الأمنية السورية عبر تدريب ضباط جدد، لكنها لم تمنع استهداف مستودعات يُقال إنها تحتوي على أسلحة تركية المنشأ، ما يضع أنقرة أمام مفارقة بنيوية: إما أنها سلّمت أسلحة لجهات غير قادرة على حمايتها، أو أن نفوذها في سوريا لا يزال هشاً بما يكفي لتعريض مصالحها للضرب.


التنافس التركي ـ الإسرائيلي.. سوريا  اصبحت ساحة لتصفية الحسابات


يتضح هذا العجز التركي أكثر في سياق التنافس التركي ـ الإسرائيلي المتفاقم حول سوريا ففي آب 2026، شنت طائرات حربية إسرائيلية غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب، بهدف معلن هو منع نشر قوات تركية في القاعدة.


 ووصف مكتب نتنياهو الانتشار التركي المحتمل بأنه «خرق للتفاهمات الأمنية» بين الجانبين، مؤكداً أن «إسرائيل لن تتسامح مع تهديدات لأمنها» فيما جدد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رفض إسرائيل لأي وجود عسكري دائم لتركيا في سوريا، واصفاً ذلك بأنه «خط أحمر».


 في المقابل، نفت وزارة الدفاع التركية وجود أي بعثة عسكرية لها في قاعدة أبو الظهور قبل الغارات أو أثناءها، لكن تقارير إسرائيلية أشارت إلى أن تركيا جمّدت مؤقتاً مساعيها لإقامة وجود عسكري في القاعدة عقب الضربات. 


دمشق.. إدانة لإسرائيل وصمت تجاه تركيا


في خضم هذا التنافس، تتكشف سلبية الحكومة الانتقالية تجاه التدخل التركي بأوضح صورها فدمشق التي تدين الضربات الإسرائيلية باعتبارها «عدواناً غير مبرر» وانتهاكاً للسيادة، لا تجد الكلمات نفسها لوصف الوجود العسكري التركي المتنامي على أراضيها.


تقارير حقوقية وثقت تجمهر أهالي جبل عقيل أمام قاعدة تركية في ريف حلب الشمالي، حيث حمّلوا الحكومة الانتقالية والإعلام الرسمي مسؤولية «الصمت المطبق» تجاه معاناتهم، مؤكدين أن غياب التغطية والضغط الإعلامي ساهم في استمرار مأساتهم من دون أي تحرك جدي.


وهذه السلبية ليست عرضاً، بل جزء من بنية الحكومة نفسها؛ إذ تشير تقييمات مستقلة إلى أنها «ما زالت تعاني من ضعف حوكمي» بسبب عدم وجود بيانات أو خطط واضحة وخاصة أن بعض المستودعات المنفجرة كانت تتبع سابقاً لهيئة تحرير الشام قبل دمجها في "وزارة الدفاع"، ما يعني أن الحكومة ورثت مخزونات غير موثقة من فصائل مسلحة لم تخضع لرقابة مركزية.


خمسة انفجارات في 21 يوماً.. صدفة أم خلل بنيوي؟


الانفجارات الخمسة التي شهدتها سوريا خلال أيلول 2026 وحدها تشكل مادة اتهام مباشرة لأداء الحكومة، في الأول من أيلول، انفجرت سيارة محملة بالذخائر عند المدخل الغربي لمدينة بنش بريف إدلب، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين، من دون أن تعلن الجهات الرسمية سبباً واضحاً للحادث. 


وفي التاسع من الشهر نفسه انفجر مستودع للذخيرة في منطقة برج النمرة قرب سرمدا بريف إدلب الشمالي، وارتفعت الحصيلة إلى أربعة عشر قتيلاً وأحد عشر مصاباً، بينهم مدنيون، وفق وزارة الدفاع، التي قالت إن «الجهات المتخصصة تواصل التحقيق للوقوف على أسباب هذا الحادث وملابساته». 


وفي الثاني عشر من أيلول انفجر مستودع شمال غربي الضمير بريف دمشق، وقالت الجهات الأمنية إن الانفجار «نجم عن ذخائر تالفة جرى نقلها وتخزينها في مستودع ناءٍ تمهيداً لإبطالها»، وهو تبرير نمطي يعفي السلطات من المسؤولية مسبقاً. 


وفي الثامن عشر من أيلول انفجر مستودع للذخيرة في ثكنة عسكرية تابعة لإدارة التسليح في "وزارة الدفاع" بمحيط بلدة عياش بريف دير الزور الغربي، وقُتل أحد عشر عنصراً من وزارة الدفاع وأصيب عشرة آخرون، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي أشار إلى احتمال وقوف تنظيم الدولة الإسلامية خلف الانفجارين، فيما لم تعلن وزارة الدفاع نتائج نهائية للتحقيق.


ثم تلاهم انفجار العيس ليرفع العدد إلى خمسة حوادث خلال واحد وعشرين يوماً، وهو معدل يكشف عن خلل بنيوي في إدارة المخزون العسكري. 


واكد محللون عسكريون انه لا يمكن قراءة انفجار العيس بمعزل عن سلسلة الانفجارات الخمسة، ولا عن التنافس التركي ـ الإسرائيلي المتفاقم، ولا عن سلبية الحكومة الانتقالية التي تدين إسرائيل وتصمت عن تركيا فالمستودعات التي يُفترض أنها خط دفاع أول تحوّلت إلى قنابل موقوتة، والمخزونات غير الموثقة التي ورثتها الوزارة عن فصائل مسلحة لم تخضع لرقابة مركزية لا تزال تفتقر إلى سجلات دقيقة وتفتيش دوري ومساءلة.


وبينما تتسابق أنقرة وتل أبيب على النفوذ في سوريا، وتتبادلان التحذيرات والضربات، تبقى الحكومة الانتقالية متفرجة، تُحمّل المواطن مسؤولية الإبلاغ عن «التحركات المشبوهة» بدلاً من أن تُحمّل نفسها مسؤولية بناء دولة تحمي مواطنيها ومخزونها وسيادتها. 


خمسة انفجارات في واحد وعشرين يوماً ليست صدفة، بل شهادة إفلاس أمني وحوكمي لسلطة لم تثبت بعد أنها قادرة على إدارة ما ورثته، أو على حماية شعبها من تداعيات صراع لا يخصه.