نبض سوريا - متابعة
لم يعد قرار محافظ اللاذقية القاضي بتشكيل لجنة “الغصب البيّن”، ودراسة اعتراضات المواطنين، وإصدار ما سُمّي “بيان الحل”، مجرّد إجراء إداري قابل للنقاش في حدود الصلاحيات، بل تحوّل إلى نموذج مكشوف لتهميش القضاء وتجاوز الاختصاص.
انتقد المحامي ميشال شماس قرار المحافظ بتشكيل ما يسمى لجنة " الغصب البيّن" مشيرا إلى أن هذا القرار يثير تساؤلات جدية حول حدود صلاحيات الإدارة، وحول مدى احترام الاختصاص القضائي في قضايا تمسّ حقوق الملكية والحقوق العينية ومصير الناس.
واوضح المحامي شماس أن الرجوع إلى المادة /45/ من قانون الإدارة المحلية رقم /107/ يكشف أن صلاحية المحافظ في إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل الغصب ليست صلاحية مطلقة، ولا هي حقّ إداري معزول عن الرقابة القانونية، بل هي مشروطة بموافقة النيابة العامة وصدور قرار عنها.
واضاف أما بحث أصل الحق والملكية والحقوق العينية، والفصل في النزاع بين الأطراف، فهو من اختصاص القضاء وحده، ولا يجوز أن تتحول اللجنة الإدارية إلى محكمة موازية تبتّ في هذه المسائل، ولا أن تنتزع من القاضي وظيفته تحت عنوان “دراسة الاعتراضات” أو “بيان الحل”.
وبين أن الخطورة لا تقف عند حدود النص القانوني، بل تتعداه إلى فلسفة إدارية تنزلق تدريجياً نحو إحلال اللجان محل المحاكم، وإحلال التسويات محل الأحكام فحين تُمنح لجنة إدارية صلاحية النظر في نزاع عقاري، وتُترك لها مساحة لتقرير مصير الملكية والحقوق، فإننا لا نكون أمام تبسيط إداري، بل أمام إعادة توزيع غير مشروعة للسلطة القضائية، وضرب لأحد أسس الدولة القانونية.
ولا ينفصل ما يجري في ملف الغصب العقاري، كما يؤكد المحامي شماس، عن ما جرى في قضية وفاة محمد غميرة، بعد تعرضه للضرب داخل أحد المخافر، حيث عولجت القضية، وفق ما تم تداوله، من خلال مجلس صلح ودفع دية لأهله مقابل إسقاط الحق الشخصي وكأن التعذيب أو الوفاة أثناء الاحتجاز مسألة قابلة للتسوية المالية، لا واقعة تستوجب تحقيقاً قضائياً مستقلاً ومحاسبة المسؤولين عنها، مهما كانت مواقعهم ومراتبهم.
وشدّد هنا على ضرورة التمييز الدقيق بين الحق الشخصي الذي قد يملك ذوو الضحية التنازل عنه ضمن حدود القانون، وبين الحق العام ومسؤولية الدولة في التحقيق والملاحقة وتحديد المسؤوليات الجزائية والمسلكية فالحق الشخصي قابل للصلح أو الإسقاط في حدود القانون، أما الحق العام فهو ليس ملكاً لأحد، ولا يسقط بمجرد التنازل، ولا تملك الإدارة أو أي جهة أخرى إلغاءه أو تعطيله، لأن المصلحة فيه تتصل بالمجتمع كله وبهيبة الدولة وثقة الناس بالعدالة.
وعندما تُدار قضايا الغصب العقاري عبر لجان تتجاوز حدود النص القانوني، وتُعالج قضايا التعذيب والوفاة بالصلح والدية، فإننا أمام نهج خطير يحذّر منه المحامي شماس، لأنه ينقل الملفات التي يفترض أن تكون أمام القضاء إلى مسارات إدارية وتسويات لا توفر ضمانات المحاكمة العادلة، ولا تحمي حقوق المتضررين، ولا تضمن الوصول إلى الحقيقة، بل تكرّس إفلات المسؤولين وتُضعف ثقة الناس بالدولة وقضائها.
والأخطر من ذلك حسب قوله أن" هذا النهج يرسّخ شعوراً بأن القانون قابل للتفاوض، وأن المسؤولية قابلة للإسقاط، وأن العدالة قد تُختصر بدفعة مالية أو قرار إداري".
وخلص شماس إلى أن بناء الدولة لا يكون عبر لجان تحل محل المحاكم، ولا عبر تسويات تحل محل المحاسبة فالطريق الصحيح هو احترام حدود الاختصاص، وتقوية المؤسسات القضائية، وضمان استقلالها، وإبقاء الفصل في الملكية والمسؤولية الجزائية والحقوق العامة بيد الجهة التي منحها القانون هذا الاختصاص، وهي القضاء فالدولة التي تريد أن تكون دولة قانون لا تُصلح خللها بمزيد من اللجان، بل بترميم قضائها، وحماية استقلاله، وردّ الاعتبار لسلطته.