نبض سوريا - متابعة
كتب هيثم المناع :
في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، سيطرت قوات تابعة لـ"هيئة تحرير الشام" على العاصمة السورية دمشق، في عملية عسكرية وُصفت بأنها الأقل كلفة من حيث الخسائر البشرية والمادية.
وجاءت هذه الخطوة في ظل تحولات إقليمية ودولية، بما في ذلك نتائج الانتخابات الأمريكية وتدهور مواقع حلفاء النظام السوري، ما فتح الباب أمام فرض نموذج حكم جديد يُعتبر الأكثر تطرفاً منذ اندلاع الأزمة السورية.
تحولات سياسية وعسكرية جذرية
بدأت الهيئة بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة عبر نقل نموذج حكمها من إدلب إلى دمشق، حيث تم تعيين أحمد الشرع رئيساً للجمهورية في يناير/كانون الثاني 2025، مع حلّ الجيش والأجهزة الأمنية واستبدالها بقيادات جهادية من دول آسيا الوسطى وتركيا. وصاحب ذلك حملة اعتقالات طالت 13 ألف ضابط وجندي من النظام السابق، وفق مصادر محلية، بينما جرى تسريح 28% من موظفي القطاع العام.
استهداف طائفي ومنهجية إقصاء
اتخذت الهيئة إجراءات طائفية ضد العلويين، مستندةً إلى فتاوى دينية تاريخية، ما أدى إلى توثيق 25 مجزرة واختفاء 2100 مدني علوي خلال الأشهر الأولى من سيطرتها. كما شهدت أحياء مسيحية هجمات استفزازية خففت حدتها بعد ضغوط دولية. وباتت الأسئلة حول الانتماء المذهبي جزءاً من الروتين اليومي على الحواجز الأمنية.
أزمة معيشية وانهيار مؤسسي
تعيش مناطق سيطرة الهيئة، خاصة الساحل السوري، كارثة إنسانية مع انتشار الفقر بنسبة 97%، وتسريح آلاف الموظفين في الصحة والتعليم، واعتقالات غير قانونية تجاوزت 10 آلاف حالة. ولم تُتخذ أي إجراءات لمعالجة الانهيار الاقتصادي، رغم مرور أربعة أشهر على السيطرة.
خطاب ديني متطرف وهيكلة أمنية
أكد قادة الهيئة رفضهم لفكرة الوطنية، معتبرين الولاء للدين أساساً للحكم. وقال أنس خطاب، وزير الداخلية، إن "القتال في سبيل الوطن لا يُعتبر جهاداً"، مشدداً على أن المؤسسات العسكرية يجب أن تقتصر على السنّة. كما جرى تشكيل مجلس للأمن الوطني حصرياً من أعضاء الهيئة، بينما تُركت الحكومة الانتقالية صورية دون صلاحيات فعلية.
ردود فعل محلية ودولية
رغم الدعاية حول "تحرير سوريا"، يواجه نموذج الهيئة انتقادات حادة من نشطاء ومثقفين سوريين، وصفوه بـ"الانتحار الجماعي". وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه عشرات الآلاف من النازحين السوريين عالقين في شمال لبنان، بينما تُرسم ملامح دولة طائفية تكرّس الانقسامات بدلاً من حلها.
هكذا، تتحول سوريا تحت سيطرة هيئة تحرير الشام إلى مختبر لصراعات إقليمية ودولية، بينما يدفع المدنيون الثمن من أمنهم وحياتهم، في مشهد يعيد إنتاج أسوأ فصول الحرب الأهلية.