من"المسطرة" إلى "المسخرة"..
تعليق على واقع جيش سوريا الجديد: كنت ضابطاً في مؤسسة تُفحص بالمليمتر

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - دمشق

علق ضابط سابق في الجيش العربي السوري على التعيينات الأخيرة في ما يُعرف بـ"جيش سوريا الجديد"، واصفاً الواقع العسكري الحالي بأنه انحدار صارخ مقارنة بما كان عليه الجيش السوري سابقاً من معايير صارمة وانضباط لا يقبل التهاون.


وقال الضابط في منشور له على "فيسبوك" إن "الجيش خلال ستين عاماً كان يبنى على دقة غير مسبوقة، حيث كان يُفحص المنتسبون بالمليمتر، وتُختبر عقولهم بصرامة المنطق، وأجسادهم بصلابة الفولاذ"، مؤكداً أن "الكليات والمعسكرات العسكرية كانت ترفض أي "شامة" أو ندبة بسيطة لا تطابق مقاييس الجمال العسكري، وأن أي انحراف جسدي ولو بسيط كان كفيلاً برفض قبول المرشح. وأضاف أن الحلم بالدخول إلى الكلية الحربية كان يتحطم عند عتبة أي نقص بسيط في الظفر أو إصابة خفية، لأن المؤسسة كانت تُبنى لرجال أبطال لا تشوبهم شائبة، رجال أُرسلوا ليُمثلوا الوطن ويصلوا لأعلى مستويات التدريب العسكري، من تعلم "حرب النجوم" في موسكو إلى "فنون القتال" في باريس، وصولاً إلى "الاستراتيجيا" في دمشق نفسها".


وأشار الضابط إلى أن "ما يراه اليوم لا يمكن وصفه بالجيش، بل بـ"المسخرة"، حيث يقف من كانوا يُرفضون سابقاً بسبب أدق التفاصيل، أمام عناصر ترتدي بدلات عسكرية لا تطابق أبسط معايير الانضباط والمظهر، مع كروش متدلية وهندام رث، وتكتيكات مستمدة من الظلام وليس من كراسات العلم والمنطق". 


وأوضح أن "الأمر أصبح مهزلة عندما يرى خريج الأكاديمية العسكرية العليا، الذي درس الكيمياء العسكرية والتكتيك المدرع وخضع لاختبارات صارمة، يُفحص اليوم على حاجز أقامه شخص لا يعرف قراءة الاسم على بطاقة الهوية، ولا يمكنه فهم الخريطة أو معنى شرف البدلة، بحسب تعبيره".


وتحدث الضابط أيضاً عن الظلم الذي حل بالكفاءات المخضرمة، وحرمان الضباط المتقاعدين الذين أفنوا حياتهم في خدمة الوطن من حقوقهم، بينما يفتح المجال أمام عناصر دعمها العدو لتتقلد مناصب لم يكن لها أي صلة بكفاءتها العسكرية أو المهنية، مؤكداً أن هذا أدى إلى تراجع هيبة المؤسسة العسكرية في الداخل والخارج على حد سواء. وأضاف أن ما يحدث هو استبدال الكفاءة بالولاء، وتدمير صورة الجيش الذي كان في الماضي قوة محترمة ومرعبة للعدو.


وفي تعليق مرتبط، أضاف الناشط إياد شربجي أن آليات التعيين الحالية تشبه إلى حد كبير نظام التوظيف في عهد الأسد، حيث كانت العضوية الحزبية شرطاً للتعيين، لكن ما يميز الوضع الحالي هو التطبيق الأسوأ بكثير، إذ يتم تعيين الأشخاص دون النظر إلى مؤهلاتهم الأكاديمية أو خبراتهم العملية، ويصبح الولاء والانتماء الشخصي هو المعيار الأساسي، بينما تُهمش الكفاءات الحقيقية والديبلوماسيون المخضرمون، وتُحرم شهاداتهم وخبراتهم من أي اعتبار.


 وأوضح شربجي أن "هذا التراجع يشمل جميع القطاعات، وأنه يُبرز سياسة اعتمدت على الولاءات والعلاقات أكثر من المهنية والكفاءة، ما ينعكس على صورة الدولة وأدائها في المحافل الدولية".


وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه سوريا نقاشاً واسعاً حول واقع المؤسسات العسكرية والإدارية التي تبنى على القرب من هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة السابقتين، وسط دعوات متزايدة لإعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والاحتراف، وإبعاد التعيينات عن الولاءات والانتماءات الشخصية، لإعادة بناء مؤسسات قادرة على أداء مهامها وفق معايير علمية ومهنية واضحة.