في معركة الإدراك.. كيف توظف إسرائيل التعتيم على خسائرها كسلاح استراتيجي؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة  

في تحليل معمق لسياسة التعتيم التي ينتهجها جيش الاحتلال الإسرائيلي حول خسائره العسكرية، يرى الكاتب والخبير الاستراتيجي سعد عريقات أن هذا الإجراء يتجاوز كونه تدبيراً ظرفياً أو مؤقتاً، ليُشكل في جوهره جزءاً لا يتجزأ من عقيدة أمنية راسخة، تقوم هذه العقيدة على إدارة المعلومات باعتبارها سلاحاً موازياً للقوة العسكرية التقليدية، بهدف رئيسي هو ضبط إيقاع الرأي العام الداخلي والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، إلى جانب التحكم بالسردية السياسية والإعلامية في مواجهة خصوم إسرائيل.


ويستند هذا النهج، وفقاً للتحليل، إلى استراتيجية متعددة الأبعاد تبدأ من "إدارة المعنويات" داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يُنظر إلى الكشف عن أعداد كبيرة من القتلى والجرحى على أنه عامل قد يؤدي إلى اهتزاز الثقة في القيادة السياسية والعسكرية، ويساهم في تصاعد الضغوط الشعبية، لا سيما في ظل خوض حروب استنزاف طويلة ومفتوحة.


وفي إطار حرمان الخصم من تحقيق مكاسب إعلامية، يعمل التعتيم على تقليص الفرصة أمام فصائل المقاومة لتوظيف الخسائر الميدانية في حملاتها الدعائية. 


ويُعد التحكم الصارم بالسردية الإعلامية بمثابة آلية فعالة للحد من تأثير العمليات العسكرية النوعية على توجهات الرأي العام، مما يحول دون تحويل الإنجازات التكتيكية للخصم إلى أوراق ضغط سياسي.


أما على الصعيد الدولي، فتتصل سياسة التعتيم بضرورة حماية المعلومات الحساسة، حيث قد يؤدي نشر تفاصيل دقيقة عن الخسائر إلى كشف تكتيكات عسكرية أو نقاط ضعف هيكلية قد تستغل في مراحل لاحقة. 


ويسعى الكيان الإسرائيلي من خلال هذه السياسة إلى الحفاظ على صورة "التفوق والسيطرة" التي طالما روّج لها، وذلك بهدف ضمان استمرار الدعم الأميركي والحفاظ على موقعه في المعادلات الجيوسياسية، مما يجعل تقليل الحديث عن الخسائر جزءاً من معركة سياسية أوسع وأكثر تعقيداً.


وتتنوع أدوات تطبيق هذه السياسة، حيث تعتمد إسرائيل على آليات متعددة تشمل فرض رقابة عسكرية مشددة على النشر، وتوجيهاً غير مباشر للخطاب الإعلامي المحلي، مع تركيز مكثف في وسائل الإعلام على عرض "الإنجازات" العسكرية مقابل تهميش الحديث عن الثمن البشري والميداني للعمليات.


غير أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات متزايدة في ظل الثورة الرقمية، إذ بات من الصعب احتكار المعلومة مع تصاعد دور وسائل الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. وقد أدى هذا التحول إلى خلق فجوة متنامية بين الرواية الرسمية التي تبثها المؤسسات الإسرائيلية والوقائع المتداولة على أرض الواقع، وهو ما يهدد بمرور الوقت بتآكل الثقة في الرواية الأمنية الرسمية.


ويخلص التحليل إلى أن سياسة التعتيم الإسرائيلية لا تعكس فقط طبيعة التعامل مع الخسائر، بل تؤشر إلى تحول الإعلام نفسه إلى ساحة موازية للحرب، حيث تدار معركة الإدراك بقوة وصلابة مماثلة لتلك التي تخاض على الأرض.