نبض سوريا - متابعة
أعاد رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، الجدل حول مستقبل القطاع الصحي إلى الواجهة، بعد أن أصدر توضيحاً عقب موجة انتقادات واسعة أثارتها تصريحاته السابقة بشأن خصخصة المشافي الحكومية.
وجاء في التوضيح أن “الصحة ليست للبيع ولن تكون”، مؤكداً أن ما طُرح لا يتعدى كونه بحثاً في نماذج إدارة حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص بهدف تحسين الخدمات، مع التشديد على أن الدولة ستبقى “الضامن الأساسي للعلاج” وأن أي نموذج سيبقى تحت إشرافها الكامل.
غير أن هذا التراجع، الذي جاء بعد تفاعل شعبي واسع، فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة الطروحات الحكومية، وما إذا كانت التصريحات الأولى تمثل توجهاً فعلياً جرى التراجع عنه تحت الضغط، أم أنها جاءت في إطار “جس نبض” الشارع تمهيداً لتمرير سياسات مشابهة بصيغ تدريجية.
ويستند هذا التشكيك إلى تجارب سابقة، حيث طُرحت عناوين مشابهة تحت مسميات “الشراكة” و”تطوير الإدارة”، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واقع فعلي على الأرض، كما يشير متابعون إلى نماذج في القطاع الصحي، بينها مشفى الأمراض القلبية في مشروع دمر بدمشق، الذي انتقلت إدارته إلى جهة استثمارية، في خطوة اعتُبرت حينها مؤشراً على مسار أوسع.
ويعزز هذا القلق استحضار تجارب سابقة في إدارة القطاعات الحيوية، حيث يشير متابعون إلى ملف معمل تاميكو، الذي كان يُعد أحد أبرز ركائز الصناعة الدوائية في سوريا، إذ كان يغطي جزءاً مهماً من حاجة السوق المحلية بمئات الأصناف الدوائية، إضافة إلى التصدير لدول الجوار.
ويقول منتقدون إن إغلاق المعمل سابقاً تحت ذرائع التحديث، وما رافقه من حديث عن نقل تجهيزاته وفتح السوق أمام منتجات مستوردة، شكّل ضربة قاسية للاكتفاء الدوائي المحلي، وأدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الأدوية.
وفي السياق ذاته، يربط هؤلاء بين تلك السياسات والطرح الحالي المتعلق بإشراك القطاع الخاص في إدارة نحو 71 مشفى حكومي، محذرين من أن تكرار النموذج نفسه في القطاع الصحي قد يفضي إلى تراجع دور الدولة في تقديم الخدمات المجانية أو منخفضة التكلفة، في وقت يعجز فيه جزء كبير من السوريين عن تحمّل نفقات العلاج في المشافي الخاصة، التي تشهد أساساً ارتفاعاً كبيراً في التكاليف.
في المقابل، يرى مراقبون أن توقيت طرح مثل هذه الملفات الحساسة، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف العلاج، يوضح نية الحكومة الانتقالية في رغبتها بالاستفادة من الشعب بدل إفادته، خصوصاً مع تكرار نمط التصريحات التي تُطرح ثم تُعاد صياغتها أو التراجع عنها تحت ضغط الرأي العام.
وبين التصريح والتوضيح، يبقى القلق الشعبي قائماً، وسط مخاوف من أن تتحول “الشراكة” إلى مدخل تدريجي لخصخصة غير معلنة، تضع أحد أهم القطاعات الخدمية في مواجهة منطق الربح، على حساب قدرة السوريين على الوصول إلى العلاج.