نبض سوريا - خاص
بقلم: عمر حمد
لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد تفاعلات عسكرية متفرقة، بل بات أقرب إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل موازين القوى، فمنذ اندلاع الحرب، تحدث بنيامين نتنياهو عن “محور شيعي جريح” في مقابل “محور سني قيد التشكل”، في توصيف لا يخلو من أهداف تتجاوز التحليل إلى محاولة تفكيك المحورين معًا، تمهيدًا لبناء شرق أوسط جديد وفق الرؤية الإسرائيلية.
في هذا الإطار، تبدو سياسة “تبريد لبنان وتسخين سوريا” جزءًا من إدارة دقيقة للصراع، في لبنان، يتم ضبط المواجهة مع حزب الله ضمن حدود تمنع الانفجار الكبير، بينما تُترك سوريا كساحة مفتوحة للضربات وإعادة التموضع، هذه المعادلة لا تعكس تهدئة بقدر ما تعكس إعادة توزيع للضغط، حيث يتم خفض الكلفة في جبهة ورفعها في أخرى أكثر قابلية للاختراق.
غير أن ما هو أخطر يتصل بالدور الدولي، إذ نجح نتنياهو في جر الولايات المتحدة، وخاصة خلال مرحلة دونالد ترامب، إلى قلب هذه المواجهة، ما وفر غطاءً سياسيًا وعسكريًا لمشروعه، ووسع هامش حركته في الإقليم.
أما ميدانيًا، فإن الجنوب السوري يبرز كهدف استراتيجي واضح، فإسرائيل لم تُخفِ يومًا اهتمامها بهذه المنطقة، والتحركات الحالية توحي بأن الأمر يتجاوز الضربات التكتيكية نحو محاولة فرض واقع جديد، وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن تخريب مقام النبي هابيل دلالات خطيرة، ليس فقط لبعده الديني، بل لكونه يقع ضمن بيئة اجتماعية حساسة، ما قد يُستخدم كمدخل لتبرير تدخل أوسع أو تغيير في قواعد السيطرة.
اذ أن الرغبة الاسرائيلية لاتقتصر السيطرة على القنيطرة ودرعا والسويداء بل إنها ستمتد من سفوح جبل الشيخ بريف دمشق وصولاُ إلى مقام النبي هابيل على الحدود مع لبنان ومدخل الزبداني والهدف هو الإشراف على دمشق وعلى البقاع و البقاع الأوسط وصولاَ للجنوب اللبناني .
على الضفة الأخرى، تتجه الأنظار إلى تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، حيث يتصاعد التوتر مع إسرائيل، ورغم استبعاد المواجهة المباشرة، إلا أن الساحة السورية تبقى المرشح الأبرز لصدام غير مباشر بين الطرفين، كما أن التفجيرات التي شهدتها تركيا مؤخرًا قد تكون مؤشرًا على مرحلة أكثر اضطرابًا، وربما بداية لتحولات أوسع داخلها تتقاطع مع صراعات الإقليم.
في المحصلة، نحن أمام مشهد يتجاوز فكرة الصراع بين محاور، إلى مشروع إعادة تشكيل شامل للمنطقة. جبهات تُبرد وأخرى تُسخن، قوى تُستدرج وأخرى تُستنزف، وخرائط يُعاد رسمها على وقع النار. أما الجنوب السوري، فيبدو أنه قد يكون الشرارة القادمة في هذا المسار المفتوح على كل الاحتمالات.