نبض سوريا - متابعة
عاد اسم فيروس هانتا إلى الواجهة الصحية عالمياً بعد تسجيل بؤرة مرضية مرتبطة بسفينة سياحية انطلقت من أوشوايا في الأرجنتين في أبريل الماضي، أسفرت، بحسب منظمة الصحة العالمية، عن 7 حالات مؤكدة أو مشتبه بها، بينها 3 وفيات حتى مطلع مايو الجاري.
ورغم خطورة المرض، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الخطر على عموم السكان عالمياً ما يزال منخفضاً؛ لأن انتقاله يحدث غالباً عبر القوارض المصابة، وليس عبر العدوى الواسعة بين البشر.
ما هو فيروس هانتا؟
هانتا ليست فيروساً واحداً، بل مجموعة من الفيروسات التي تحملها القوارض، مثل الفئران والجرذان وبعض أنواع فئران الحقول، وتستطيع هذه الفيروسات أن تسبب أمراضاً شديدة لدى الإنسان، أبرزها متلازمة هانتا الرئوية أو القلبية الرئوية في الأمريكتين، والحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية في أوروبا وآسيا.
توضح منظمة الصحة العالمية أن كل نوع من فيروسات هانتا يرتبط عادةً بنوع محدد من القوارض الحاملة له، وأن القارض قد يحمل الفيروس لفترات طويلة من دون أن تظهر عليه أعراض مرضية واضحة.
وينتقل فيروس هانتا إلى الإنسان أساسًا عند التعرض لـبول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، ويحدث ذلك غالباً عند تنظيف أماكن مغلقة أو سيئة التهوية ملوثة بمخلفات القوارض، أو أثناء العمل في الزراعة والغابات، أو النوم في أماكن موبوءة بالقوارض. وقد تحدث العدوى أيضاً عبر عضة أو خدش من قارض مصاب، لكن ذلك أقل شيوعاً.
الأهم أن فيروس هانتا لا ينتقل عادة من شخص إلى آخر. الاستثناء المعروف حالياً هو فيروس الأنديز Andes virus الموجود في أمريكا الجنوبية، حيث وثقت حالات انتقال محدودة بين مخالطين عن قرب ولفترات طويلة، خصوصاً في الأرجنتين وتشيلي.
أعراض الإصابة
تختلف الأعراض حسب نوع الفيروس والمنطقة الجغرافية. في الأمريكتين، قد يسبب المرض متلازمة هانتا الرئوية، وهي حالة شديدة تؤثر في الرئتين والقلب، وتظهر الأعراض عادة بعد أسبوع إلى 8 أسابيع من التعرض لقارض مصاب.
وتبدأ الحالة غالباً بإرهاق، حمى، وآلام عضلية، خصوصاً في الفخذين والوركين والظهر والكتفين، وقد ترافقها صداع ودوخة وقشعريرة وغثيان وقيء وإسهال وآلام بطنية، وبعد 4 إلى 10 أيام من المرحلة الأولى قد يظهر السعال وضيق التنفس، مع شعور بضغط في الصدر نتيجة امتلاء الرئتين بالسوائل.
أما في أوروبا وآسيا، فتسبب فيروسات هانتا غالباً حمى نزفية مع متلازمة كلوية، تؤثر أساساً في الكلى والأوعية الدموية، وتشمل الأعراض صداعاً شديداً وآلاماً في الظهر والبطن وحمى وقشعريرة وغثياناً وتشوش الرؤية واحمرار الوجه أو العينين، وقد تتطور إلى انخفاض ضغط الدم، صدمة، نزف داخلي، وفشل كلوي حاد.
هل هو قاتل؟
تقول منظمة الصحة العالمية إن معدل الوفاة في متلازمة هانتا القلبية الرئوية في الأمريكتين قد يصل إلى 50%، في حين تقدر أن معدل الوفاة الشائع في هذه المتلازمة يتراوح غالباً بين 20% و40%، وفي أوروبا وآسيا، يتفاوت معدل الوفاة حسب نوع الفيروس من أقل من 1% في الأنواع الأخف، إلى 5%–15% في فيروسات أشد مثل Hantaan وDobrava.
وفي الولايات المتحدة، تشير بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن 38% ممن يطورون أعراضاً تنفسية مرتبطة بمتلازمة هانتا الرئوية قد يموتون من المرض، كما أظهرت بيانات الترصد الأمريكية حتى نهاية 2023 تسجيل 890 حالة مؤكدة مختبرياً منذ بدء الترصد عام 1993، بينها 859 حالة لمتلازمة هانتا الرئوية و31 حالة غير رئوية، مع وفاة 35% من الحالات المسجلة.
وينتشر فيروس هانتا عالمياً، لكن نوع المرض يختلف حسب القارة. في الأمريكتين، تسبب فيروسات مثل Sin Nombre وAndes متلازمة هانتا الرئوية أو القلبية الرئوية، وهي الأكثر ارتباطاً بالوفيات العالية، في أوروبا وآسيا، تنتشر فيروسات تسبب الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية، مثل Puumala وDobrava وHantaan وSeoul.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العبء الأكبر عالمياً يقع في آسيا وأوروبا، حيث تُسجل عشرات الآلاف من الإصابات سنويًا، في حين تسجل الأمريكتان مئات الحالات سنوياً.
في الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية، سجل المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها 1,885 حالة عام 2023 في 28 دولة، بمعدل 0.4 حالة لكل 100 ألف نسمة، وكان عام 2023، مع 2020، من أقل المعدلات خلال الفترة 2019–2023، في حين شكلت فنلندا وألمانيا وحدهما 60.5% من الحالات المبلغ عنها.
بؤرة مرتبطة بسفينة سياحية
في مايو 2026 أعلنت منظمة الصحة العالمية عن بؤرة مرتبطة بسفينة سياحية هولندية غادرت أوشوايا في الأرجنتين في 1 أبريل، وعلى متنها 147 شخصاً، بينهم 88 راكباً و59 من أفراد الطاقم.
وبحسب المنظمة، ظهرت الأعراض بين 6 و28 أبريل، وشملت الحمى أعراضاً معوية، ثم تطوراً سريعاً إلى التهاب رئوي، ومتلازمة ضائقة تنفسية حادة، وصدمة، وحتى 4 مايو الجاري، سجلت المنظمة حالتين مؤكدتين وخمس حالات مشتبه بها، بينها 3 وفيات.
ورغم أن التحقيقات ما زالت مستمرة، شددت منظمة الصحة العالمية على أن العدوى البشرية بفيروس هانتا تحدث أساساً عبر القوارض، وأن انتقال العدوى بين البشر، وإن كان موثقًا مع فيروس الأنديز، يبقى محدوداً وغير شائع. كما قيّمت المنظمة الخطر على عموم السكان عالمياً بأنه منخفض.
وتأتي هذه البؤرة وسط زيادة حديثة في نشاط المرض في الأرجنتين؛ إذ نقلت وكالة أسوشيتد برس عن وزارة الصحة الأرجنتينية تسجيل أكثر من 100 إصابة منذ يونيو 2025، وهو تقريباً ضعف عدد الحالات في الفترة المماثلة السابقة، مع وفيات تقترب من ثلث الإصابات خلال العام الأخير.
هل يوجد علاج؟
لا يوجد حتى الآن علاج مضاد فيروسي مرخص مخصوص أو لقاح معتمد لعدوى هانتا، بحسب منظمة الصحة العالمية، العلاج المتاح داعم، ويركز على المراقبة الطبية الدقيقة، ودعم التنفس والدورة الدموية، والتعامل مع مضاعفات الرئة والقلب والكلى، وتؤكد المنظمة أن الوصول المبكر إلى العناية المركزة عند الحاجة يحسن فرص النجاة، خصوصاً في متلازمة هانتا القلبية الرئوية.
الأكثر عرضة هم الأشخاص الذين قد يتعرضون لمخلفات القوارض في أماكن مغلقة أو ريفية أو سيئة التهوية، مثل عمال الزراعة والغابات، سكان المنازل أو المخيمات الموبوءة بالقوارض، الأشخاص الذين ينظفون مخازن أو أكواخاً مهجورة، والعاملون في أماكن قد توجد بها فئران أو جرذان.
وتزداد الخطورة عند تنظيف فضلات القوارض بطريقة خاطئة، مثل الكنس الجاف أو استخدام المكنسة الكهربائية؛ لأن ذلك قد ينثر جزيئات ملوثة في الهواء.
سبل الوقاية
الوقاية تعتمد أساساً على تقليل ملامسة القوارض ومخلفاتها، توصي منظمة الصحة العالمية بإبقاء المنازل وأماكن العمل نظيفة، سد الفتحات التي تسمح بدخول القوارض، تخزين الطعام بإحكام، تجنب الكنس الجاف أو شفط فضلات القوارض بالمكنسة الكهربائية، وترطيب المناطق الملوثة قبل تنظيفها مع الالتزام بنظافة اليدين.
أما عند الاشتباه في الإصابة، فينصح مركز مكافحة الأمراض الأمريكي بطلب الرعاية الطبية فوراً وذكر أي تعرض محتمل للقوارض؛ لأن الأعراض المبكرة قد تشبه الإنفلونزا، ما قد يؤخر التشخيص.