تقرير أممي: الأقليات في سوريا الأكثر احتياجاً للحماية

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -متابعة   

كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في تقرير جديد حول احتياجات الحماية الدولية لطالبي اللجوء من سوريا، أن الأقليات الدينية والعرقية تتصدر قائمة الفئات التي قد تحتاج إلى حماية دولية. ولا يقف التقرير عند حدود ملف اللجوء، بل يفتح سؤالاً أوسع حول قدرة الدولة السورية الجديدة على حماية جميع مواطنيها على نحو متساوٍ.


ويتجنب التقرير التعامل مع سوريا كبلد خرج بشكل نهائي من دائرة الخطر بعد سقوط النظام السابق، ويصفها بدلاً من ذلك بأنها تمر بمرحلة انتقالية هشة، تتقاطع فيها آمال العودة وإعادة بناء الدولة مع مخاطر أمنية وحقوقية وإنسانية لا تزال تطاول حياة السوريين يومياً. وفي هذا السياق، تصبح أوضاع الأقليات مؤشراً حسّاساً على طبيعة التحول: هل تتجه البلاد نحو دولة مواطنة، أم إلى سلطة غير قادرة بعد على ضبط العنف وخطاب الكراهية وحماية الفئات الهشة؟


وبحسب المفوضية، فإن طالبي اللجوء السوريين المنتمين إلى أقليات دينية وعرقية قد يكونون بحاجة إلى حماية دولية بموجب أحكام اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وذلك بناءً على ظروف كل حالة على حدة. ويوضح التقرير أن هذا لا يعني منح كل فرد من هذه الجماعات صفة اللاجئ تلقائياً، لكنه يؤكد أن الانتماء إلى هذه الفئات بات يشكل عامل خطر لا يمكن تجاهله عند تقييم طلبات الحماية.


ويولي التقرير اهتماماً خاصاً بالعلويين، واصفاً إياهم بأنهم من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر في المرحلة الجديدة، وذلك نتيجة الربط الجماعي بينهم وبين النظام السابق.


ويوثق التقرير في هذا السياق أعمال قتل ميداني وتعذيب ونهب وإحراق ممتلكات، إلى جانب خطاب طائفي ومعاملة مهنية رافقت أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري خلال شهر آذار من عام 2025 وتكمن خطورة هذا التوصيف في أنه ينقل المسألة من إطار "حوادث أمنية" متفرقة إلى نمط استهداف يحمل بعداً هوياتياً واضحاً.


ويتوقف التقرير عند أوضاع الدروز، ولا سيما بعد الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء والمناطق الدرزية القريبة من دمشق، حيث أدى التوتر المحلي والاشتباكات والتدخلات المسلحة إلى سقوط مئات الضحايا وحالات نزوح واسعة النطاق ويفرض هذا الملف حسب التقرير  سؤالاً سياسياً وأمنياً شديد الحساسية: كيف يمكن للدولة أن تستعيد احتكار السلاح دون أن تتحول العملية إلى تفكيك الجماعات المحلية أو إنتاج حالة جديدة من الخوف الجماعي؟


ويُدرج التقرير المسيحيين والشيعة والإسماعيليين والأكراد واليزيديين ضمن خريطة أوسع من المخاطر المرتبطة بالانتماء الديني أو القومي أو المناطقي، وبحضور جماعات متشددة أو فصائل مسلحة أو شبكات انتقام اجتماعي. 


واشار التقرير إلى أن أطرافاً معادية للنظام السياسي الجديد، من بينها تنظيم داعش وجماعات متطرفة أخرى، حاولت استثمار التوترات الطائفية من خلال استهداف الأقليات الدينية أو التحريض ضدها.


واللافت في التقرير أن المفوضية لا تكتفي برصد الانتهاكات، بل تصل إلى خلاصة أكثر حساسية، وهي أن الحكومة السورية في ظل الظروف الراهنة لا تُعتبر قادرة على توفير الحماية الكافية للسوريين المعرضين لخطر الاضطهاد من جهات غير حكومية، بما في ذلك الاضطهاد المجتمعي أو العائلي وهذه الخلاصة تجعل معيار الحماية مرتبطاً ليس بنوايا السلطة أو بتصريحاتها، بل بقدرتها العملية على ضبط الأمن، ومحاسبة المنتهكين، ومنع تكرار الانتهاكات.


في المقابل، لا ينكر التقرير حدوث تغيرات إيجابية بعد سقوط النظام السابق، حيث يشير إلى نهاية خطر الاضطهاد المباشر من أجهزة النظام القديم بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السوريين، وإلى خطوات سياسية وقانونية اتخذتها السلطات الجديدة، من بينها الإعلان الدستوري، وتشكيل مؤسسات انتقالية، والانفتاح على آليات حقوقية دولية.


غير أن التقرير يضع هذه المؤشرات داخل ميزان أكثر تعقيداً، فالتطور السياسي وحده لا يكفي عندما تبقى العدالة هشة، والمؤسسات ضعيفة، والسلاح واسع الانتشار، وخطاب الكراهية قادراً على تحويل الانتماء إلى تهمة.


وتتجاوز أهمية التقرير مسألة اللاجئين في الخارج ليوجه رسالة إلى الداخل السوري أيضاً، مفادها أن عودة السوريين لا تُبنى بالنداءات السياسية ولا بالضغط على الدول المضيفة، بل بضمانات أمنية وقانونية واجتماعية ملموسةولهذا السبب، لا تشجع المفوضية حالياً على عودة جماعية واسعة النطاق إلى سوريا، وتدعو إلى عودة طوعية ومنظمة وتدريجية، حتى لا تتحول موجات العودة إلى عامل إضافي لزعزعة الاستقرار في بلد يعاني أصلاً من الفقر والدمار والنزوح الداخلي وضعف الخدمات.


في المحصلة، يضع تقرير مفوضية اللاجئين الأقليات في قلب الشأن العام السوري، وليس على هامشه. فحماية العلوي أو الدرزي أو المسيحي أو الكردي أو الإسماعيلي أو الشيعي ليست مجرد ملف فئوي، بل هي امتحان حقيقي للدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن حماية المختلف لا تستطيع حماية الأكثرية أيضاً، بل إنها تؤجل العنف إلى جولة جديدة.