نبض سوريا - متابعة
كشفت آلية التحقيق السورية، في تحقيق حقوقي موسع، عن وجود بنية تنظيمية متكاملة تحيط بمنظومة “بيت الأخوات” في مدينة جبلة ومناطق أخرى من الساحل السوري، حيث يضع التحقيق هذا الكيان في قلب شبكة متعددة المستويات تجمع بين العمل الدعوي، والتنسيق الإداري، والدعم اللوجستي، والغطاء الأمني المحلي.
“بيت الأخوات” ليس مبادرة تعليمية بل جناح نسائي ميداني
وبحسب التحقيق، فإن “بيت الأخوات” لا يظهر كمبادرة تعليمية أو مركز نسائي للدروس الدينية فحسب، بل كجناح نسائي ميداني ضمن منظومة أوسع تستهدف فتيات ونساء، بينهن قاصرات، وتعمل على فصلهن عن أسرهن ومحيطهن الاجتماعي السابق بعد تغيير دينهن أو معتقدهن، تحت عناوين دينية من بينها “الهجرة في سبيل الله”.
ثلاثة أضلاع متكاملة: تجمع “من أجل أمة” ومؤسسة “الذهبي” و”بيت الأخوات”
ويضع التحقيق هذا الكيان ضمن ثلاثة أضلاع متكاملة، يتمثل أولها في تجمع “من أجل أمة” بوصفه الغطاء الدعوي والإداري، وثانيها في مؤسسة “الذهبي” بوصفها ذراعاً مالية ولوجستية داعمة، وثالثها في “بيت الأخوات” بوصفه المقر النسائي التنفيذي الذي تتم فيه الإقامة والعزل وإعادة صياغة العلاقة بين الفتيات وعائلاتهن.
تجمع “من أجل أمة” يعمل تحت مظلة وزارة الأوقاف السورية
في الضلع الأول، يورد التحقيق اسم تجمع “من أجل أمة” ككيان دعوي وتربوي يعمل بصورة علنية تحت مظلة وزارة الأوقاف السورية، بقيادة شخصية محورية يدعوها التحقيق “الدكتور خالد أبو علي”. ويمتلك التجمع، وفق ما أوردته آلية التحقيق، حضوراً في المساجد والمراكز والجامعات، ويعمل على بناء كوادر قادرة على إدارة مشاريع تربوية في أكثر من محافظة.
ويشير التحقيق إلى أن أول مركز للتجمع في محافظة اللاذقية افتُتح في أيار مايو عام 2025 بحضور خالد عمرو، مدير أوقاف اللاذقية، مما يفتح باباً واسعاً أمام التساؤل حول العلاقة بين هذه الأنشطة والمؤسسة الدينية الرسمية، وحدود الرقابة المفترضة على كيانات تعمل في فضاءات عامة كالمساجد والجامعات والمدارس.
مؤسسة “الذهبي”.. كيان غير مسجل يؤدي دوراً مالياً ولوجستياً
أما الضلع الثاني، فيتمثل في مؤسسة “الذهبي”، التي يصفها التحقيق بأنها كيان غير مسجل رسمياً في سجلات الجمعيات الحكومية، لكنها تؤدي دوراً مالياً ولوجستياً وتنظيمياً داعماً لشبكة “بيت الأخوات”. ويربط التحقيق المؤسسة بشخص يحمل الجنسية المصرية يدعى هاني دهب، كما يورد اسمي أمجد الشامي المعروف بأبي محمد، وراشد المشرف المعروف بأبي إسلام، بوصفهما قياديين ميدانيين في أنشطة المؤسسة في دمشق وريفها.
ويعرض التحقيق مؤسسة “الذهبي” كحلقة وصل بين العمل الخيري والدعوي من جهة، وشبكات ذات خلفيات راديكالية من جهة أخرى، مشيراً إلى نشاطها في توزيع اللباس الشرعي وإقامة حملات توعوية داخل المدارس والمساجد في عدة محافظات سورية، مع حديث عن تسهيلات أمنية رافقت بعض هذه الأنشطة.
“بيت الأخوات”.. فضاء مغلق لعزل الفتيات وإعادة تشكيل هويتهن
ومع ذلك، يبقى “بيت الأخوات” مركز الثقل في التحقيق، حيث يمثل هذا الكيان في جبلة والمناطق الساحلية الجناح النسائي التنفيذي للشبكة، ويعمل كفضاء مغلق مخصص للإقامة الدائمة وعزل الفتيات المستقطبات، وإعادة تشكيل هويتهن وصلاتهن الأسرية والدينية.
ويورد التحقيق أسماء في الكادر الإشرافي والميداني داخل “بيت الأخوات”، بينهم المعلمة ميساء عبود، والداعية التونسية هند عثمان الطباع المعروفة باسم “أم ريان”، وذلك بالتنسيق المباشر مع الشيخ عبد القادر البكور بوصفه مرجعية شرعية في هذه المنظومة.
تنسيق إداري مع أوقاف جبلة واللاذقية يمنح حصانة للكيان
وعلى المستوى الإداري، تشير آلية التحقيق إلى أن العمل يُنظم بالتنسيق مع عامر غزال، رئيس شعبة أوقاف جبلة، وخالد عمرو، مدير مديرية أوقاف اللاذقية، وبالتواصل مع مسؤولين محليين بينهم هاني وهبة. ويمنح هذا التشابك، وفق التحقيق، مقراً محلياً مثل “بيت الأخوات” حصانة إدارية وشبكة حركة داخل البيئة الرسمية وشبه الرسمية.
غطاء أمني يمنع إعادة الفتيات إلى أسرهن
أما في مستوى الغطاء الأمني، فيورد التحقيق اسم الشيخ صلاح الدين أبو همام ونائبه المعروف باسم أبو نديم، بوصفهما شخصيتين توفران حماية ونفوذاً واسعاً للمقر. وتقول آلية التحقيق إن هذه الشخصيات تفرض نفسها كوصي مباشر على الفتيات المقيمات في البيت، وترفض إعادتهن إلى أسرهن، بما يحول دون تدخل العائلات أو السلطات القانونية غير المنخرطة في هذه المنظومة.
مسار الاستقطاب يبدأ من الجامعات والسكن الطلابي
وتصف آلية التحقيق مسار الاستقطاب بأنه يبدأ من فضاءات تعليمية وسكن جامعي، حيث تستهدف الشبكات الدعوية طالبات يعشن في عزلة أو ظروفاً اقتصادية ونفسية صعبة، ثم تنتقل إلى مرحلة الاحتواء الاجتماعي والدعم العاطفي أو المادي، قبل إدخال الفتاة في مسار تلقين عقائدي يعيد تعريف عائلتها وبيئتها الأصلية بوصفهما خطراً على “دينها الجديد”.
وبعد اكتمال هذا المسار، تُنقل الفتاة، بحسب التحقيق، إلى الإقامة داخل “بيت الأخوات”، حيث يجري تكييف الانقطاع عن الأسرة بمفردات دينية، أبرزها “الهجرة في سبيل الله”، مما يحول القطيعة العائلية من فعل إكراه أو عزل إلى قرار يبدو في الظاهر طوعياً ومحملاً بمعنى ديني.
التحقيق يرسم بنية متكاملة بأسماء وأدوار ومواقع
ويكتسب التحقيق أهميته من أنه لا يكتفي بوصف حالات فردية، بل يرسم بنية متكاملة بأسماء وأدوار ومواقع واضحة. فالسؤال الذي يطرحه ملف “بيت الأخوات” لا يتعلق بحرية الاعتقاد وحدها، بل بحدود هذه الحرية عندما تتحول، وفق ما وثقته آلية التحقيق السورية، إلى منظومة عزل ووصاية خارج الأسرة والقضاء، وبغطاء إداري وأمني ودعوي متداخل.
أسئلة مباشرة حول دور وزارة الأوقاف والجهات الأمنية
وتفتح المعطيات التي أوردها التحقيق الباب أمام أسئلة مباشرة حول دور وزارة الأوقاف، وحدود رقابتها على التجمعات الدعوية المرتبطة بها، ومسؤولية الجهات الأمنية والإدارية المحلية في جبلة واللاذقية، إضافة إلى مصير الفتيات اللواتي خرجن من بيوتهن أو سكنهن الجامعي ثم ظهرن داخل بيئة مغلقة تديرها شخصيات دينية ودعوية ومحلية.