نبض سوريا - متابعة
كشفت التطورات الميدانية في جنوب لبنان عن استمرار حالة من التوتر العسكري المتصاعد، في ظل غياب استقرار فعلي على الأرض، وتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة متفاوتة شملت غارات واستهدافات وتحركات ميدانية في مناطق متقدمة من الشريط الحدودي وما بعده.
وبينما تتكثف الجهود الدولية لاحتواء التصعيد وإعادة تثبيت قواعد تهدئة، تبرز تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام الواقع الميداني مع التعريفات القانونية والعسكرية التقليدية لمفهوم وقف إطلاق النار، في ظل استمرار استخدام القوة وتبادل الرسائل العسكرية على أكثر من مستوى.
وعلى هذا الصعيد، يقدّم العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال قراءة استراتيجية للمشهد، يبيّن فيها أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في الإعلان عن وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الوقف وحدود تطبيقه على الأرض، ومدى شموليته لجميع أشكال العمليات العسكرية.
ويشير حلال إلى أن المفهوم الكلاسيكي لوقف إطلاق النار يقوم على التزام متبادل بوقف الأعمال العدائية، غير أن الوقائع الميدانية في الجنوب اللبناني تعكس، بحسب قراءته، حالة من عدم التوازن في التطبيق، مع استمرار عمليات القصف والاغتيال ومحاولات فرض وقائع أمنية جديدة.
ويكشف أن الجنوب اللبناني شهد خلال الفترة الأخيرة تصعيداً تدريجياً اتسم بمحاولات توسيع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو مناطق ذات أهمية استراتيجية، من بينها محاور مرتبطة بمحيط قلعة الشقيف، التي تمثل نقطة إشراف جغرافية وعسكرية مؤثرة على مساحات واسعة من الجنوب.
ويبيّن أن هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يرتبط بإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة الحدودية، حيث تتداخل الأهداف العسكرية مع اعتبارات السيطرة الميدانية وإعادة التموضع الاستراتيجي.
في المقابل، يوضح حلال أن نمط المواجهة من جانب المقاومة يقوم على أسلوب دفاعي مرن قائم على الاستنزاف وإرباك التقدم الميداني، بما يرفع الكلفة البشرية والمادية على القوات المهاجمة، ويحد من قدرتها على تحقيق حسم سريع على الأرض.
ويضيف أن هذا النمط من القتال يعكس تحولاً في طبيعة المواجهة، بحيث لم تعد المعركة محصورة في السيطرة الجغرافية المباشرة، بل امتدت إلى مستوى التأثير المتبادل في العمق الاستراتيجي لكلا الطرفين.
ويشير إلى أن أي تقدم ميداني محدود يقابله تصعيد في الردود الصاروخية باتجاه العمق الإسرائيلي، ما أدى إلى انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً يرتبط بتوازن الكلفة والضغط على الجبهات الداخلية.
أما في ما يتعلق بالمبادرات الدولية، فيلفت حلال إلى أن النقاش حول وقف إطلاق النار لا يزال يدور حول طبيعة الالتزامات المتبادلة، ومدى شمولها لجميع أشكال الاستخدام العسكري للقوة، وليس مجرد إعلان سياسي للتهدئة.
ويؤكد أن أي ترتيبات لا تضمن حماية المدنيين ووقف الاعتداءات المتواصلة تبقى عرضة للتشكيك في فعاليتها، مشدداً على أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على اختلال في ميزان الالتزامات بين الأطراف.
ويختم بالقول إن التحدي الأبرز لا يتمثل في الوصول إلى صيغة لوقف إطلاق النار فقط، بل في منع تحوله إلى إطار شكلي لإدارة الصراع، بدل أن يكون مدخلاً لإنهاء التصعيد وتثبيت حماية فعلية للمدنيين والسيادة، بما يضع حداً لدورة الاستنزاف المستمرة على الساحة الجنوبية.