نبض سوريا -متابعة
نشرت مجلة "نيو لاينز" الأمريكية تقريراً مطولاً للصحفي السوري كمال شاهين تناول التحولات التي شهدتها بنية السلطة في سوريا عقب سقوط نظام الأسد، معتبراً أن مراكز النفوذ التقليدية التي ارتبطت لعقود بمدينة القرداحة تراجعت لصالح مراكز جديدة برزت في بلدات وبيئات ريفية شاركت في العمل المسلح خلال سنوات الثورة، وفي مقدمتها حلفايا وإدلب.
ورصد التقرير ما وصفه بانتقال شخصيات تنحدر من هذه المناطق إلى مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والإدارية، مشيراً إلى أن أسماء بلدات مثل حلفايا وإدلب باتت تتكرر في الأوساط السورية بوصفها موطناً لعدد كبير من المسؤولين الذين تسلموا مناصب قيادية بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد نهاية عام 2024.
وبحسب التقرير، فإن حلفايا، الواقعة في ريف حماة، تحولت خلال فترة قصيرة إلى أحد أبرز مصادر الكوادر التي وصلت إلى مراكز القرار، حيث تولى أبناء البلدة حقائب وزارية ومناصب أمنية وعسكرية وإدارية متعددة. وأشار إلى أن عدداً من الشخصيات المنحدرة من المدينة تسلمت مواقع مؤثرة في وزارات الدفاع والاقتصاد والطاقة والأمن الداخلي والمعابر الحدودية، في ظاهرة اعتبرها الكاتب لافتة بالنظر إلى الحجم السكاني المحدود للبلدة.
كما تناول التقرير صعود شخصيات من محافظة إدلب إلى مواقع متقدمة في المؤسسة العسكرية والإعلامية، موضحاً أن عدداً من نواب وزير الدفاع وقادة الوحدات العسكرية والمسؤولين الإعلاميين ينحدرون من مدن وبلدات المحافظة، الأمر الذي اعتبره انعكاساً للدور الذي لعبته تلك المناطق خلال سنوات الصراع.
وفي سياق متصل، سلط التقرير الضوء على تعيينات شملت أفراداً من عائلة الرئيس السوري أحمد الشرع وأقرباء لمسؤولين بارزين في الدولة، معتبراً أن هذه التعيينات أثارت انتقادات متزايدة في الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة مع تسلم بعض الشخصيات مناصب حساسة خلال فترة زمنية قصيرة.
وأشار الكاتب إلى أن منظمات حقوقية ووسائل إعلام محلية وثقت ما وصفته بحالات محسوبية وتعيينات قائمة على صلات القرابة والانتماء المناطقي، لافتاً إلى أن بعض المدافعين عن هذه التعيينات يبررونها بالحاجة إلى كوادر موثوقة تمتلك خبرة في إدارة المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية.
ورأى التقرير أن المشهد الحالي يعكس نشوء مراكز نفوذ متعددة داخل الدولة السورية الجديدة، تختلف عن النموذج الذي ساد خلال عهد الأسد والقائم على تمركز السلطة ضمن دائرة ضيقة مرتبطة بعائلة واحدة إلا أن الكاتب اعتبر أن تعدد مراكز النفوذ لم يؤدِ بالضرورة إلى بناء مؤسسات أكثر توازناً، بل ساهم في ظهور شبكات نفوذ متنافسة تعتمد على الروابط العائلية والمناطقية.
وأكد التقرير أن هذا الواقع يثير تساؤلات حول طبيعة الدولة التي تتشكل بعد سقوط النظام السابق، ومدى قدرة المؤسسات الجديدة على ترسيخ معايير الكفاءة والجدارة في شغل المناصب العامة، بعيداً عن اعتبارات القرابة والانتماء المحلي.
وخلصت المجلة إلى أن سوريا تشهد مرحلة إعادة تشكل للنخب الحاكمة، حيث انتقلت مراكز الثقل السياسي والعسكري من مناطق ارتبطت تاريخياً بالنظام السابق إلى مناطق لعبت دوراً محورياً في الثورة والعمل المسلح، إلا أن هذا التحول، وفق قراءة التقرير، ما زال يواجه انتقادات تتعلق بغياب المعايير المؤسسية واستمرار ظواهر المحسوبية وتوزيع النفوذ على أساس العلاقات الشخصية والعائلية.