نبض سوريا - متابعة
مرة أخرى، يقف رئيس السلطة الانتقالية "أحمد الشرع" ومسؤوليه على منصة افتتاح جسر الرستن يقطعون شريط إنجاز لم يكتبوه بأيديهم، ويلتقطون الصور التذكارية أمام مشروع لم يساهموا فيه بقدر ما ساهموا في حفل تدشينه، فترميم الجسر لم يكن إنجازاً حكومياً بالمعنى الحقيقي، بقدر ما كان نموذجاً جديداً لظاهرة تحولت إلى فن في إدارة الوهم، وبحسب المختص بالشأن الاقتصادي محمد علبي، فإن السلطة الانتقالية لم تكتفِ بغيابها عن التمويل والإشراف، بل أتقنت دور المضيف في حفل أقامه الآخرون، لتحصد وحدها رصيداً سياسياً من مشاريع لم تضع فيها حجراً واحداً.
وكشف علبي في منشور له على صفحته بموقع "فيسبوك" أن السلطة الانتقالية تبحث عن إنجازات ولو كانت وهمية، وتعمل على إظهارها للإعلام وكأنها هي الممول والمنفذ الوحيد، في استراتيجية تهدف إلى بناء شرعية شعبية على أسس هشة من الدعاية والاستعراض الإعلامي.
وقال علبي "أكثر ما يلفت الانتباه في طريقة إدارة السلطة للمشهد العام، هو حرصها المفرط على الظهور في كل مشروع يُنجز، مع أن معظم هذه المشاريع لا تكون هي الجهة التي مولتها أو نفذتها فعلياً".
وأضاف أن هذا السلوك لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى أسلوب عمل متكامل، تستخدم فيه السلطة آليات العلاقات العامة والتواصل الاجتماعي لتحويل أي نشاط تنموي - بغض النظر عن مصدر تمويله - إلى لوحة إعلانية مجانية لحكمها.
وأوضح علبي أن "افتتاح جسر الرستن يشكل مثالاً حياً وصارخاً على هذه الظاهرة"، مشيراً إلى أن الرئيس وعدداً من الوزراء حضروا فعالية التدشين، وكانوا في مقدمة الصورة، وبمجرد انتهاء الحفل، امتلأت منصات وسائل التواصل الاجتماعي بصورهم وتعليقات المهللين التي تزعم أن هذه "إنجازات الحكومة" وأنها دليل على "إعادة الإعمار" التي تقودها السلطة بيد من حديد.
وتابع قائلاً: "لكن ما لا يعرفه كثير من المواطنين، ولا يظهر في البيانات الإعلامية المصاحبة لهذه الافتتاحيات، هو أن تمويل إعادة تأهيل جسر الرستن لم يأتِ من خزينة الدولة أساساً، ولا من ضرائب المواطنين، ولا من أي مصدر حكومي محلي".
وأكد علبي أن المصادر الحقيقية للتمويل كانت دولية بالكامل، وتحديداً من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والصندوق الإنساني لسوريا (SHF)، وهما جهتان تعملان بتمويل من مانحين دوليين، غالباً ما يكونون خارج أي إطار حكومي محلي أما الإشراف الميداني فكان من نصيب الدفاع المدني السوري، في حين تولت التنفيذ شركة خاصة تم التعاقد معها عبر آليات دولية صارمة.
وبعبارة أخرى، وفقاً لتحليل علبي، فإن السلطة الانتقالية لم تموّل المشروع، ولم تنفذه، ولم تشرف عليه بشكل مباشر أو غير مباشر، باستثناء حضورها حفل التدشين ومع ذلك، فقد كانت حاضرة بقوة في اللحظة الختامية لتقطف ثماراً سياسية وإعلامية هي في حقيقتها ليست من ثمار تعبها أو جهدها أو أموالها.
وشدد علبي على أن "هذه ليست قضية جسر الرستن وحده، ولا يمكن اعتبارها حادثة استثنائية أو خطأ عابراً في التقدير"، بل هي "نمط متكرر وممنهج" تتبعه السلطة منذ توليها المسؤولية.
فالسلطة بحسب علبي، تدرك تماماً أن المواطن العادي، الذي يعاني من تعقيدات الحياة اليومية وضغوطات المعيشة، لا يملك دائماً الوقت الكافي أو القدرة التقنية على تتبع مصادر التمويل، أو معرفة آليات التنفيذ، أو الاطلاع على العقود الموقعة بين المنظمات الدولية والجهات المحلية وهذا الأمر يصبح أكثر تعقيداً في وقت تنعدم فيه الشفافية، وتعلو أصوات الطبول الإعلامية لتغطي على أي صوت يقول غير الصورة المرسومة.
وأضاف "ما يراه المواطنون ببساطة هو رئيس ووزراء يقفون بثياب رسمية أمام مشروع جديد، أو يقطعون شريطاً احتفالياً، أو يلقون كلمات حماسية عن النهضة والتعمير فيربط المواطن العادي تلقائياً بين وجودهم المهيب وبين إنجاز المشروع. وهكذا، تتحول الأموال الدولية ومساهمات المنظمات وجهود الجهات المنفذة - التي تبذل تحت أخطار وظروف صعبة - إلى رصيد سياسي يُضاف إلى حساب السلطة، دون أن تدفع السلطة ثمناً حقيقياً أو تتحمل أي مسؤولية جوهرية".
وفي ختام تحليله، قال علبي ساخراً ومحذراً في آنٍ واحد: "لو كان الهدف الحقيقي للسلطة هو خدمة الناس ورفع المعاناة عنهم، وليس صناعة الصورة والتطبيل الإعلامي، لربما وفروا على البلد كلفة حفلات الافتتاح الفارهة، والمواكب الرئاسية، والمراسم المكررة، وكل هذه التجهيزات البروتوكولية التي تستهلك أموالاً كانت يمكن أن تذهب إلى مشاريع خدمية حقيقية، كان بإمكانهم ببساطة أن يتركوا الجسر يتحدث عن نفسه، وأن يكتفوا بأن يكون قائماً بأمان ونظيفاً ومضاءً ليلاً، فهذا هو الإنجاز الحقيقي.
وختم علبي منشوره بعبارة لاذعة: "المواطن لا يعنيه عدد المسؤولين الواقفين على منصة لتدشين ، ولا نوع ربطة العنق التي يرتديها الوزير كل ما يعنيه هو أن يجد الجسر قائماً أمامه عندما يحتاج إلى عبوره، وأن يستطيع أن يعبره بأمان إلى الجانب الآخر مبينا ان هذا التمثيل الرسمي الذي شاهدناه اليوم لا يختلف قيد أنملة عن أي من المعازيم الآخرين الذين حضروا حفل الافتتاح.