ما شاهدته خلال زيارتي لدمشق"..
أكاديمي فرنسي يدعو الدول الأوروبية إلى اليقظة ما يجري في دمشق قد يكون واجهة مؤقتة وليس تحولاً عميقاً

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

كشف  الأكاديمي الفرنسي هوغو ميشيرون، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس والمتخصص في دراسة الجهادية الأوروبية، والذي رافق الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته التاريخية إلى سوريا، أن هذه الزيارة هي الأولى لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ سبتمبر 2008، وشهدت تحولاً جذرياً حيث أُطيح بنظام بشار الأسد ليحل محله أحمد الشرع، الرجل الذي عُرف سابقاً بلقب "أبو محمد الجولاني".


ويلفت ميشيرون إلى أن مسؤول البروتوكول السوري الذي استقبلهم عند سلم الطائرة لم يكن سوى مقاتلاً سابقاً في "هيئة تحرير الشام"، وهو عضو سابق في تنظيم القاعدة أعلن انفصاله عنه، لكنه يظهر اليوم ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، في مشهد يعكس تحولاً جذرياً حيث أصبح الجهاديون السابقون جزءاً من النسيج الرسمي.


وأشار  إلى أن الإجراءات الأمنية كانت مشددة إلى أقصى حد، مع إغلاق الطرق وتحليق المروحيات والطائرات المسيّرة، في مشهد يعكس حالة الهشاشة الأمنية التي لا تزال تعيشها العاصمة.


و روى ميشيرون أن دمشق كانت غارقة في الظلام ليلاً دون إنارة للشوارع، حتى فندق "فور سيزونز" بدا في حالة بائسة، وفي صباح اليوم التالي وقع انفجار سيارة مفخخة قرب الفندق تلاه انفجار قنبلة في سلة مهملات، واتُهم تنظيم داعش بالوقوف خلفهما في محاولة لعرقلة الزيارة، مما يؤكد أن النظام الجديد لا يسيطر فعلياً على الوضع الأمني حتى في قلب العاصمة.


ويؤكد أن الرئيس الشرع محاط برجاله السابقين من إدلب، الذين يشغلون اليوم المناصب الأساسية في دمشق، ويتعايشون مع شخصيات من عهد النظام السابق، لكنهم يفتقرون إلى الكفاءات اللازمة لإدارة دولة بحجم سوريا وتعقيداتها.


ويلاحظ ميشيرون خلال مأدبة غداء في القصر الرئاسي انخفاض جودة الطعام بشكل لافت، مرجحاً أن الطهاة من المقربين للشرع ومن تبعوه من إدلب، ويمثلون ضمانته الأكثر أماناً ضد التسميم، لكنهم نقلوا معايير مطبخ معسكرات المقاتلين إلى مائدة الدولة، مما يعكس الفجوة بين تطلعات النظام الجديد وقدراته العملية.


ويستغرب من أن السوريين اليوم يتحدثون بحرية عن السياسة، ويقارنون بين النظام السابق والحالي، ويتناقشون حول ارتفاع الأسعار وانخفاض المعيشة ومستقبل البلاد، في تغير مذهل لمن عرف سوريا سابقاً حيث كان ذكر السياسة أمراً لا يمكن تصوره.


ورصد الأكاديمي تحولات اجتماعية دقيقة، مثل زيادة ظهور النساء المنتقبات خارج مركز المدينة وفي الأحياء المسيحية، وإزالة بعض المطاعم للكحول من قوائمها، في مؤشر على ما يصفه بـ"سلفية صامتة" تتقدم تدريجياً.


وحذّر ميشيرون من أن الشرع محاط بقاعدة سياسية ضيقة وما زال قريباً من التيارات السلفية والجهادية، مما يعني أن الوضع قد يتحول باتجاه أكثر تشدداً في أي لحظة، فيما يواجه تحديات إعادة بناء جيش وطني ودولة مركزية واقتصاد محطم، مع استمرار محاربة تنظيم داعش.


وكشف أن سوريا تحتاج إلى أكثر من 200 مليار دولار لإعادة الإعمار، أي عشرة أضعاف ناتجها المحلي، مع عدم وجود قطاع مصرفي فعال واستمرار العقوبات الأميركية والأوروبية، فيما لم تصل الأموال السعودية الموعودة بعد، والإمارات تبدو مترددة تجاه قائد ترى أنه مدعوم من تركيا.


واشار إلى أن فرنسا اختارت التواصل المباشر مع الشرع بدلاً من المقاطعة، لأن وجودها على طاولة الحوار أفضل من ترك الساحة لقوى أخرى، لكنه يحذّر من أن ما يجري قد يكون مجرد واجهة مؤقتة وليس تحولاً عميقاً، مما يستدعي يقظة أوروبية.


وختتم ميشيرون مقاله بالقول : ما شهدته في دمشق كان مزيجاً من التحول الكبير والهشاشة الواضحة، والرهان اليوم ليس على نوايا أحمد الشرع، بل على قدرة نظامه على تحويل المظاهر إلى مؤسسات، وعلى استعداد المجتمع الدولي لدعم هذا التحول.