نبض سوريا -متابعة
أثار إعلان توظيف لـ"الشركة القابضة للصناعات الدفاعية" (الاسم الجديد لمركز البحوث العلمية) في "وزارة الدفاع" السورية، موجة انتقادات شعبية وحقوقية واسعة، بعد تضمّن استمارة التقديم أسئلة حول الانتماء الديني للمتقدمين، من بينها: المسجد الذي ينتمون إليه، وأسماء علماء ومربين يحضرون لديهم دورياً، وعدد أجزاء القرآن المحفوظة، إضافة إلى سؤال عن "التزكية" الذي اعتبره مراقبون شكلاً من أشكال الواسطة والمحسوبيات.
وأوضح الإعلان أن الشركة ترغب في توظيف خريجين ومهندسين وفنيين بهدف رفع كفاءتها في عدد من الاختصاصات، لكن الأسئلة الدينية المرفقة أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت الممارسات أو العلاقات الدينية ستدخل ضمن معايير المفاضلة، خصوصاً أن الوظائف المعلن عنها تقنية وهندسية وليست دينية أو شرعية.
في هذا السياق، قال الناشط الحقوقي رامي الحسن في منشور له على منصة "إكس": "هذا الإعلان يفضح حقيقة ما يجري في وزارة الدفاع، أسئلة عن المسجد والشيخ وعدد الأجزاء في استمارة توظيف مهندسين؟ هذه ليست معايير كفاءة، هذه آلة فرز طائفي وعقائدي تعيد إنتاج الدولة الأمنية البوليسية التي كنا نعتقد أنها انتهت، من يريد الانضمام إلى جيش وطني يجب أن يُسأل عن تخصصه وخبرته، لا عن علاقاته بالمساجد والعلماء".
أما سامر الخليل، وهو خريج هندسة ميكانيكية والمتقدم للوظيفة فصرّح قائلاً: "أنا خريج بتقدير جيد، وعندي خبرة، لكن عندما قرأت الأسئلة شعرت بالإحباط، كيف سأُنافس على وظيفة في مؤسسة سيادية بأسئلة كهذه؟ هل حفظ القرآن هو المعيار لقبول مهندس؟ وهل التزكية تعني أن من لديه واسطة وعلاقات هو من سيفوز بالوظيفة حتى لو كان أقل كفاءة مني؟ هذا يكرس المحسوبية ويقتل فرص الشباب الأكفاء".
ومن جهته، قال الدكتور فادي مرعي، الأكاديمي والمحاضر في إحدى الجامعات السورية: "الأمر الأكثر خطورة هنا ليس مجرد أسئلة دينية، بل أن هذه الأسئلة تخرج من وزارة الدفاع ذاتها، مما يعني أن هناك من يراجع هذه النماذج ويوافق عليها و هذا يعكس خللاً في فلسفة بناء المؤسسة العسكرية برمتها مبينا ان الدولة المدنية تقوم على الفصل بين الدين والمؤسسات، وهذا الإعلان يناقض ذلك بشكل صارخ".
من جانبه تسائل الكاتب و المحلل الاقتصادي محمد العلبي : "ما شأن وزارة الدفاع بعدد أجزاء القرآن التي يحفظها المتقدم؟ وما شأنها بالمسجد الذي ينتمي إليه ولماذا تريد أسماء علماء الدين والمربين الذين يحضر لديهم دروساً دورياً؟".
وأضاف: "هذه ليست وزارة أوقاف، بل وزارة دفاع يفترض أنها تبني جيش دولةمشيرا الى ان هذه الأسئلة ليست فقط إقصائية لغير المسلمين، بل تميز بين المسلمين السنة أنفسهم، وتفرزهم وفق شبكاتهم ومرجعياتهم الدينية، بما يضمن الولاء المطلق لآيديولوجيا سلطة حاكمة لا لدولة، مما يشير إلى نية التأسيس لحكم تسلطي استبدادي طويل الأمد".
وأوضح العلبي أن "دمج الفصائل في هيكل واحد لا يعني تلقائياً بناء جيش وطني؛ فالجيش الوطني يتطلب تفكيك البنى الفصائلية والعقائدية، وإعادة التشكيل وفق معايير مهنية وقانونية، بحيث تكون عقيدة الجيش هي الدولة والدستور، لا العقيدة الدينية ولا شيخ المتقدم ولا المسجد الذي يرتاده".
وفي الشق الاقتصادي والاداري، حذّر العلبي من "تضخم الجهاز العسكري والأمني" عبر إعلانات التوظيف المتراكمة، معتبراً أن "تمويل هذا الجهاز من جيوب المواطنين، إلى جانب كونه يعكس فشل السلطة في خلق فرص عمل إنتاجية، فهو يعيد استيعاب القوى العاملة داخل مؤسسات السلاح بدلاً من تحويل الموارد نحو التنمية".
واستدرك قائلاً: "أن تعيد بناء جهاز عسكري ضخم في بلد يحتاج إلى تحويل موارده من الحرب إلى التنمية مشكلة كبيرة، فما بالكم بأن تعيد بناءه وفق آليات فرز دينية إقصائية استبدادية الطابع؟ هذه ليست مشكلة إدارية، بل كارثة سندفع ثمنها لعقود".
وفي تطور لاحق، قامت "وزارة الدفاع" بتعديل نموذج التوظيف وحذف الأسئلة الثلاثة المثيرة للجدل (عدد الأجزاء، المسجد، أسماء العلماء والمربين)، وهو ما اعتبره متابعون خطوة إيجابية، لكنه – وفق محللين وناشطين – لا يلغي الإشكالية الأساسية، بل يثير سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف خرجت هذه الأسئلة إلى العلن أصلاً؟
يرى محللون عسكريون رفضوا الكشف عن اسمائهم أن مسؤولية هذا التجاوز لا تقع على موظف صغير أو لجنة توظيف هامشية، بل تمتد إلى أعلى هرم القرار في وزارة الدفاع فاستمارة التوظيف الرسمية، التي تحمل ترويسة شركة تابعة لوزارة الدفاع، لا بد أنها مرت بسلسلة من المراجعات والموافقات الداخلية قبل نشرها، والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين كان وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان والمدراء المعنيون عن هذه الأسئلة؟ وهل يعقل أن نموذجاً رسمياً بهذه الحساسية يُنشر دون علمهم أو موافقتهم؟
واضافوا المشكلة هنا ليست مجرد "خطأ إداري" قابل للتدارك بحذف بضعة أسئلة، بل هي كشف صريح لـ"الثقافة المؤسسية" السائدة داخل "وزارة الدفاع"، التي تضع الاعتبارات الدينية والعقائدية فوق المعايير المهنية والكفاءة العلمية وهذا يعكس رؤية السلطة الحاكمة لتشكيل الجيش، ليس كجيش وطني يضم جميع السوريين بغض النظر عن معتقداتهم، بل كـجيش عقائدي يعيد إنتاج آليات الولاء الضيق والإقصاء التي عانى منها السوريون لعقود طويلة.
والأكثر قلقا حسب قولهم هو أن التعديل اللاحق وحذف الأسئلة، وإن كان خطوة شكلاً، لم يتبعه أي توضيح رسمي أو اعتذار أو إعلان عن مساءلة داخلية، مما يوحي بأن المعنيين يتعاملون مع الأمر كـ"زلّة إعلامية" وليس كـ"خلل مؤسسي جوهري" يستوجب المحاسبة.