الخياط يطرز إعمار سوريا بخيوط البيت الأبيض..
تحقيق نيويورك تايمز يكشف وجه المال الجديد في السياسة

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، في تقرير مطول، عن شبكة معقدة من العلاقات التجارية والسياسية التي جمعت عائلة الخياط السورية بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأدت إلى تغيير جذري في سياسة العقوبات على سوريا، وفتحت الباب أمام صفقات إعادة إعمار تقدر قيمتها بأكثر من 12 مليار دولار.


وأفاد التقرير بأن القصة بدأت في صيف عام 2025، عندما استقبل النائب الجمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا، جو ويلسون، في مكتبه بالكونغرس الأميركي، وفداً من مستثمرين من الشرق الأوسط عبر اتصال فيديوي. 


وقدّم المستثمرون عرضاً طموحاً لمشروع ضخم لإعادة تطوير الساحل السوري، تضمن إنشاء مرفأ لسفن الكروز السياحية، ونادي بولو، ومعرضاً لسيارات بوغاتي الفاخرة، وملعب غولف عالمي المستوى، وذلك في بلد كان قد خرج لتوه من حرب مدمرة استمرت لأكثر من عقد.


وأوضحت الصحيفة أن خلف هذا العرض التجاري البراق، كانت عائلة الخياط تعمل في الخفاء على الفوز بعقود إعادة إعمار ضخمة تجاوزت قيمتها 12 مليار دولار، لكن العقبة الرئيسية التي واجهتها تمثلت في العقوبات الأميركية المشددة المفروضة على سوريا، وبخاصة تلك المرتبطة بقانون "قيصر" الذي كان يحظر أي تعامل مع النظام السوري السابق.


وفي تطور لافت، كشف التقرير أن النائب ويلسون قدّم نصيحة تكتيكية للمستثمرين قال فيها: "اجعلوا من هذا المشروع ملعب غولف يحمل اسم ترامب". غير أن رجل الأعمال محمد الخياط كان قد سبق هذه الفكرة، حيث كان يخطط أصلاً لمنتج سياحي يحمل علامة ترامب التجارية.


وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أنه وبالتوازي مع هذه التحركات، كان شقيقا الخياط يجريان مفاوضات لشراكة عقارية كبرى مع إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر، بهدف تمويل منتجع بمليارات الدولارات في ألبانيا.


ولفت التقرير إلى أن هذا التداخل بين المصالح التجارية والعلاقات السياسية، الذي كان مألوفاً في الشرق الأوسط، أصبح جزءاً من آليات العمل في واشنطن خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب، حيث تتقاطع الصفقات العائلية مع قرارات السياسة الخارجية.


ونقلت الصحيفة عن مصادرها نفي البيت الأبيض ومنظمة ترامب لأي علاقة مباشرة بين هذه المشاريع وقرارات السياسة الأميركية، لكن الوقائع التي رصدتها تشير إلى وجود نظام غير رسمي من "المحاباة"، يُستخدم فيه الاستثمار كأداة لتحقيق أهداف سياسية.


وأضاف التقرير أن العلاقة بين عائلتي ترامب والخياط تعود إلى عام 2022، وتحديداً إلى العاصمة القطرية الدوحة، حيث جمع لقاء في مطعم فاخر يملكه آل الخياط. وسرعان ما تطورت هذه العلاقة، خاصة مع طموحات جاريد كوشنر الاستثمارية، الذي كان قد أسس صندوقاً استثمارياً بقيمة 3 مليارات دولار بدعم من صناديق سيادية خليجية.


وفي المقابل، كانت عائلة الخياط قد بنت إمبراطورية تجارية كبرى في قطر، شملت مشاريع ضخمة مثل إنشاء جزيرة ترفيهية خلال كأس العالم 2022، واستيراد آلاف الأبقار جواً خلال الحصار الخليجي عام 2017 لتأمين إمدادات الحليب.


وبعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وعودة ترامب إلى سدة الحكم، تغيرت المعادلة بشكل كامل. فسافر الأخوان رامز ومعتز الخياط إلى واشنطن لحضور حفل التنصيب، حيث التقوا بشخصيات مقربة من دائرة ترامب، من بينهم مايكل بولس وعائلته، وفي الوقت نفسه، زارا العاصمة السورية دمشق والتقيا برئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع.


وسرعان ما أعلنت عائلة الخياط عن حصولها على سلسلة من الصفقات الضخمة، شملت 4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي، و7 مليارات دولار لبناء أربع محطات كهرباء تعمل بالغاز، بالإضافة إلى مشروع مشترك مع شركة "شيفرون" الأميركية للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط.


 لكن التقرير أكد أن هذه المشاريع بقيت مشروطة برفع العقوبات الأميركية، لأن البنوك الدولية لن تمولها دون ضمانات قانونية بعدم إعادة فرضها.


وفي هذا السياق، بدأت حملة ضغط مكثفة في واشنطن، قادها رجل الأعمال السوري الأميركي طارق نعمو، الذي نسق لقاءات مع أعضاء في الكونغرس، مدعوماً بتبرعات انتخابية وعلاقات شخصية متينة. وبحلول حزيران من عام 2025، تقدّم النائب جو ويلسون بمشروع قانون يهدف إلى إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بشكل كامل.


ورغم الدعم المبكر الذي أبداه ترامب لرفع العقوبات، بل وقام برفعها بشكل مؤقت بعد لقاء جمعه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض، بقيت العقبة الأكبر في الكونغرس الأميركي، وتحديداً لدى النائب برايان ماست، الذي أعرب عن خشيته من أن يؤدي رفع العقوبات إلى تعريض حقوق الأقليات في سوريا للخطر.


وبلغت الأمور ذروتها في تشرين الثاني من عام 2025، عشية لقاء جمع بين ترامب بأحمد الشرع في البيت الأبيض، حيث أقيم عشاء ضم مسؤولين أميركيين كباراً، وبعد نقاشات مطولة، غيّر النائب ماست موقفه ووافق على رفع العقوبات دون آلية سريعة لإعادة فرضها في حال حدوث انتهاكات.


وبعد أسابيع قليلة، أُدرج إلغاء العقوبات على سوريا ضمن قانون ضخم للإنفاق الدفاعي، وقعه الرئيس ترامب في كانون الأول من عام 2025، أي بعد نحو عام كامل من سقوط نظام الأسد.


وعلى الأرض في سوريا، تتقدم المشاريع بخطى حثيثة. ففي مطار دمشق الدولي، بدأت الجرافات بهدم مبانٍ قديمة تمهيداً لعملية إعادة البناء. وعلى الساحل السوري بالقرب من مدينة اللاذقية، وهي منطقة ارتبطت تاريخياً بعائلة الأسد، يُخطط لبناء منتجع سياحي ضخم يضم ملعب الغولف المنتظر، غير أن التقرير أشار إلى أن الفلاحين المحليين يتساءلون عن مصير أراضيهم التي يعيشون منها والتي قد تبتلعها هذه المشاريع العملاقة.


وفي الوقت نفسه، تتسارع وتيرة الشراكة بين عائلة الخياط وجاريد كوشنر في ألبانيا، حيث تحولت العلاقة من مجرد تنفيذ عقود إلى استثمار مشترك، كما ترددت أنباء عن مشاريع مماثلة قد تنفذ داخل سوريا في المستقبل القريب.


وخلصت "نيويورك تايمز" في تقريرها إلى أن هذه القصة تمثل نموذجاً جديداً من تداخل المال والسياسة في أميركا، وإن كان نموذجاً قديماً ومألوفاً في منطقة الشرق الأوسط، حيث يبدو أن مجرد حمل مشروعك لاسم "ترامب" قد يكون كافياً لفتح أبواب واشنطن أمامك.