نبض سوريا - متابعة
كشف الخبير الاقتصادي محمد علبي عن التناقضات الاجتماعية الصارخة التي تعيشها البلاد، حيث تمرّ مواكب رسمية فارهة بجانب أطفال يفتشون في حاويات القمامة، بينما تراهن السلطة الانتقالية على استيراد نماذج تنموية جاهزة، تتصدرها مشاريع الأبراج وناطحات السحاب، كوجهٍ براق لـ"سوريا الجديدة".
وحذّر علبي في مقال تحليلي من أن هذا المشروع الاستيرادي ليس سوى انعكاس لعمق الأزمة الفكرية التي تعاني منها القيادة الحالية؛ فمحاولة فرض نماذج ريعية على مجتمع منهك بحرب دامت أكثر من عقد، لن تؤدي فقط إلى فقاعة عقارية تهدد القطاع الخاص، بل قد تجرّ الاقتصاد الوطني بأكمله إلى انهيار نظامي "دومينو إيفكت"، تنتهي عاقبته بمجاعة حقيقية.
وكشف الخبير الفجوة بين طموحات الحكام الجدد -المنبثقة من بيئات ريفية مهمشة- وبين الحاجة الفعلية لسوريا التي تستوجب خطة إعمار اجتماعية متكاملة، وليس مشاريع ربحية آنية.
ورأى علبي أن الإصرار المهول للسلطة الانتقالية على استيراد نماذج اقتصادية لا تتناسب مع سوريا، يعود إلى عاملين رئيسيين؛ الأول: عدم القدرة على التخطيط، نتيجة خلفية قياداتها العسكرية الريعية التي تهدف إلى تعظيم الربح الآني، دون امتلاك فكر استراتيجي أو دولتي. الثاني: محاولة الارتقاء الاجتماعي، المنبثقة من بيئة ريفية عانت تاريخياً من التهميش والفقر، وهو ما يعكس اختلالاً في التوازن بين الريف والمدينة، فشلت الدولة الحديثة في معالجته منذ الاستقلال.
وأضاف أن محاولات استيراد النماذج – الشكلية كالمواكب الفارهة، والتقنية كالتطوير العقاري – ستبوء بالفشل؛ فاستيراد رأس المال لمشاريع الأبراج سيرفع التكاليف على المواطن، ويحدث فجوة بين الطلب الاسمي المرتفع غير القادر على السداد، والطلب الفعلي الضعيف وهذا حسب الخبير سيخلق "فقاعة" تمويلية، قد لا تقتصر على قطاع العقار، بل تؤدي إلى انهيار نظامي (دومينو إيفكت) يجرّ الاقتصاد بأكمله إلى كارثة.
وأشار علبي إلى أن السلطة تتجاهل حقيقة أن من أصل 3.5 مليون وحدة سكنية مدمرة، هناك 1.3 مليون مدمرة كلياً، و2.6 مليون بحاجة إلى ترميم، حيث كان الأجدى توجيه الموارد لإزالة الأنقاض والترميم كأولوية لأي سلطة انتقالية، بدلاً من مشاريع عقارية كبرى تهدف لتعظيم الربح.
وتابع: "إعادة الإعمار يجب أن تكون مشروعاً اجتماعياً لإعادة بناء المجتمع والاقتصاد معاً، من خلال خطة تنموية تراعي التوازن بين الريف والمدينة، وليس مشروعاً ربحياً بحتاً يتركّز في دمشق وحلب واللاذقية فقط".
واختتم علبي تحذيره بالقول إن السلطة تبني مواردها العامة وتوقعاتها المالية على الريع العقاري (رسوم، ضرائب، مبيعات أراضٍ)، معتبراً أن ارتفاع سعر الأرض أو الشقة لا يضاعف الناتج المحلي، ولا ينتج قيمة مضافة حقيقية.
وأوضح أن هذا النفق الريعي غير المستدام سيخلق فقاعة، وعند انهيارها، لن يشعر المواطنون سوى بالغلاء الفاحش، وقد ينتهي الأمر إلى مجاعة حقيقية، لأن الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى على رفع أسعار الأصول، بل على رفع الإنتاجية والدخل.