نبض سوريا - متابعة
تعيش الأسر السورية يوماً بعد يوم تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، لم تعد معها الأولويات تتعلق بالرفاهية أو تحسين مستوى الحياة، بل بتأمين قوت يومها الأساسي فمع استمرار ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الأجور أمام تضخم متسارع، أصبح تأمين وجبة طعام واحدة لأسرة متوسطة إنجازاً يومياً صعباً.
وتشير أرقام ومؤشرات أسعار المستهلك إلى أن الاحتياجات الأساسية لأسرة من خمسة أفراد تتطلب مبالغ تفوق الدخل التقليدي بأضعافاً مضاعفة، ما يضع ملايين السوريين أمام خيارات قاسية: إما تقشف قسري، أو استدانة، أو البحث عن مصادر دخل إضافية.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن المعايير الاقتصادية التقليدية لم تعد كافية لشرح حجم الأزمة، وأن مؤشرات بسيطة مثل تكلفة الوجبة اليومية باتت أكثر تعبيراً عن واقع الناس.
اكد الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن مؤشر «كلفة الوجبة الواحدة» يكشف تحوّل النمط الاستهلاكي من الكفاية والرفاهية إلى «سدّ الرمق»، فلم تعد الوجبة تُحسب بتنوع مكوناتها، بل بالحد الأدنى من الأصناف التي تُبقي الأسرة على قيد الحياة.
واوضح قوشجي أن أسرة من خمسة أفراد تحتاج إلى ما بين 78 و79 ألف ليرة سورية شهرياً لتأمين احتياجاتها الأساسية فقط، دون أي رفاهية، بينما يتطلب العيش بمستوى مقبول ما بين 115 و125 ألف ليرة. في المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع العام 12,560 ليرة، أي أن الراتب الحكومي يغطي نحو 10 بالمئة فقط من التكاليف، ولا يكفي إنفاق الأسرة أكثر من أربعة أيام في أفضل الأحوال.
وتستحوذ سلة الغذاء والشراب على 45 إلى 60 بالمئة من دخل الأسرة، بسبب الارتفاع المستمر في أسعار اللحوم والألبان والزيوت، ويأتي السكن والخدمات في المرتبة الثانية بنسبة 20 إلى 25 بالمئة، ولا يشمل ذلك الإيجار فقط، بل نفقات شراء مياه الصهاريج واشتراكات الأمبيرات والتدفئة، نتيجة تراجع الخدمات العامة، بعد ذلك تأتي الصحة والتعليم والمواصلات لتضغط على ما تبقى من الميزانية.
ويعزو قوشجي التسارع التضخمي إلى تراجع قيمة الليرة واضطراب سعر الصرف، ما يولّد «تضخماً مستورداً» يرفع كلفة كل المواد، إضافة إلى الارتفاع المتكرر في تكاليف الطاقة والمشتقات النفطية والكهرباء، وضعف الإنتاج المحلي، واضطراب سلاسل الإمداد، و«التسعير الوقائي» من التجار، ما يبقي الأسعار مرتفعة حتى عند ثبات الطلب.
ويرى قوشجي أن الخروج من الأزمة يتطلب ربط أي زيادة في الأجور بمعدلات التضخم الحقيقية، وتحفيز الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي لتخفيض كلفة السلة الغذائية، وتحسين الخدمات العامة والكهرباء، وضبط استقرار الأسواق وسعر الصرف، وتوجيه الدعم الاجتماعي بفاعلية نحو الأكثر احتياجاً.
وفي قراءة نقدية للأزمة، كتب الإعلامي غسان فطوم: «المراقب لقرارات الحكومة يلاحظ أنها تفتقر للتخطيط السليم، فأغلب قراراتها "عرجاء" ساهمت باتساع الفجوة بينها وبين المواطن، وشكل الأمور ذاهبة باتجاه انعدام الثقة وهنا الطامة الكبرى!!».
وأضاف: " الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة أفقرت المواطن وجعلته "عالحديدة"، فراتبه إن كان موظفاً لا يكفي لدفع فاتورة الكهرباء التي تجاوزت المليون، بل الملايين وسط تعنت وزارة الطاقة ورفضها التراجع عن قرارها برفع التسعيرة الظالمة رغم معرفتها بحال المواطن المعتر، بل أتحفتنا منذ أسبوع بزيادة أسعار المحروقات التي على أثرها ارتفع كل شيء!!".
وتابع فطوم: "اليوم لا يمكن الرهان على نجاح مواجهة التحديات الداخلية وحتى الخارجية وكسب معاركها إن كان المواطن جائعاً وفاقداً للأمان" مشدداً على أن "تقوية الجبهة الداخلية ودعمها يجب أن يكون من الأولويات على كل الصعد، وخاصة تحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي".
ويؤدي اتساع الفجوة بين الدخل والتكاليف إلى تآكل شبه كامل للطبقة الوسطى، وانتقال معظم السكان إلى الاعتماد على الدعم والمساعدات، مع تقشف قسري عبر الاستغناء عن الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية والاعتماد على النشويات، وتأجيل الرعاية الطبية والتعليم غير الأساسي في وقت تحوّلت فيه التحويلات المالية من المغتربين إلى المصدر الرئيس لسدّ الفجوة لدى معظم العائلات، فيما لجأ أرباب الأسر إلى وظائف متعددة أو اقتصاد الظل لتأمين قوت يومهم.
وبينما تتقاطع أرقام قوشجي مع تحذيرات فطوم، تتضح صورة أزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل اجتماعية تمسّ كرامة الناس وقدرتهم على البقاء فأسرة تنتظر راتباً لا يكفي أربعة أيام، ومواطن يدفع فاتورة كهرباء تتجاوز دخله، وطبقة وسطى تختفي، كلها مؤشرات على أن معالجة الفجوة تحتاج قرارات واقعية لا «عرجاء»، تستعيد الثقة قبل أن يدفع الجائع والفاقد للأمان ثمن سياسات لم تراعِ أبسط حقوقه في العيش الكريم.