الوصاية الدينية على الدولة: هيئة الإفتاء السلفية تعلو على السلطات التشريعية في سوريا

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة

توجّه تصريح الشيخ نعيم عرقسوسي حول خضوع قرارات الوزراء والقوانين السورية لمراجعة مجلس الإفتاء، يفتح باباً جَدلياً حول تحوُّل الهيئة الشرعية السلفية إلى سلطة عليا تُهيمن على مؤسسات الدولة، في خطوة تُعيد تعريف مفهوم الشرعية بعيداً عن الإطار الدستوري والسياسي.


 يأتي هذا التصريح في سياقٍ يُحاول فيه أنصار التوجه الديني المتشدد تسويق نموذجٍ يضع المرجعية السلفية فوق هياكل الحكم، مدّعين شرعنة البلاد عبر فتاوى تُكرس الهيمنة الماورائية على القرار الرسمي.  


يتجاوز الأمر فكرة الإشراف الأخلاقي ليُعلن صراحةً عن تأسيس "سلطة دينية فوقية"، تُحوّل الدولة إلى كيانٍ مشيخي يستمد شرعيته من فهمٍ عقدي ضيق، بدلاً من التعاقد المجتمعي أو التمثيل الديمقراطي. وبذلك، تُنقل الشرعية من الشعب إلى هيئة دينية مغلقة غير منتخبة، تتحول إلى مُراقبٍ أعلى للسياسات العامة، ما يُهدد بانهيار الفصل بين المرجعية الدينية والمجال المدني، ويُعيد إنتاج نموذج "الحاكمية المؤسسية" الذي يختزل القانون إلى أداة تابعة للخطاب الفقهي.  


يحذّر محللون من أن فرض وصاية الهيئة الشرعية على القرارات الوزارية والقضائية يُكرّس "سلطة فوق القانون"، تُضعف آليات المساءلة وتقوّض أسس الحكم الرشيد، على غرار تجارب فاشلة كالسودان في ثمانينيات القرن الماضي أو إيران ما بعد الثورة، حيث تحوّلت الدولة إلى هيكل وظيفي يخدم أجندات دينية متطرفة. هذا النهج لا يُلغي فكرة الدولة المدنية فحسب، بل يُعيد إنتاج صراعات الهوية تحت غطاء "شرعنة الفتاوى"، مُستهدفاً إقناع الرأي العام بوهم أن الديمقراطية قادمة، بينما الواقع يؤكد أن الفرصة تُمنح لقوى تُحوّل البلاد إلى ساحة لاختبار مشاريع الهيمنة الدينية.  


يُهدّد هذا التوجه بتحويل سوريا إلى نموذجٍ لـ"الدولة الوظيفية" ذات المرجعية الدينية، حيث تُصبح السياسة خادمةً لخطابٍ فقهي متعالٍ، ويُختزل دور المؤسسات إلى تنفيذ قراراتٍ تُلبّي رؤية هيئة مغلقة، بعيداً عن إرادة الشعب أو مبادئ العدالة الاجتماعية.