محاكمات دمشق... بداية العدالة أم مسرحية قانونية بلا نص؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

تناول الكاتب الصحفي عبدالله علي في مقال له انطلاق أولى جلسات المحاكمات ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، والتي شهدها القصر العدلي في دمشق امس  الأحد ، وسط تساؤلات متزايدة حول جدية هذا المسار ومدى اكتماله قانونياً ومؤسساتياً.


وبحسب ما عرضه علي، تزامن إطلاق هذه المحاكمات مع مفارقة سياسية وأمنية تمثّلت بعودة عصام بويضاني قائد "جيش الإسلام" إلى دوما بعد الإفراج عنه في الإمارات ، وتوقيف أمجد يوسف المتهم الأبرز في  مجزرة التضامن ، الأول عاد إلى معقله السابق في مشهد سياسي ذات طابع احتفالي غابت عنه الأسئلة الصعبة عن ماضي فصيله بينما قُدّم الثاني بوصفه عنوانا لبداية المحاسبة. 


وبين المشهدين بدا سؤال العدالة الانتقالية أبعد من أولى الجلسات متسائلا :كيف يمكن لمسار ناشئ أن يقنع بجدية معاييره إذا كان بعض الماضي يعاد إدماجه سياسيا، فيما يتحول بعضه الآخر إلى مناسبة لتوسيع الإدانة من الجاني إلى بيئته. 


وفي خطوة حملت بعداً رمزياً ،حسب علي، اختارت وزارة العدل أن تبدأ  بمحاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، والمتهم بالمسؤولية عن انتهاكات ساهمت في اندلاع احتجاجات عام 2011 و تشمل الدعوى محاكمة كل من بشار الأسد وماهر الأسد وقصي مهيوب ووفيق ناصر غيابياً، فيما تقرر تأجيل الجلسة إلى العاشر من أيار المقبل بعد حضور نجيب وحده.


وأشار الكاتب  إلى غموض الإطار القانوني الذي يحكم هذه المحاكمات، في ظل غياب تشريع متكامل للعدالة الانتقالية، مقابل تصدّر وزارة العدل لمشهد التحضير والإدارة، بدءاً من التنسيق مع وزارة الداخلية، وصولاً إلى تجهيز قاعة المحكمة وتعيين القاضي فخر الدين العريان لرئاستها.


وفي المقابل، بدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بحسب علي، أقل حضوراً، رغم ما تتمتع به من استقلالية، ما أثار تساؤلات حول دورها الفعلي وعلاقتها ببقية مؤسسات الدولة.


وفي السياق، نقل علي عن المحامي ميشال الشماس تأكيده أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ المحاسبة، بل في غياب البنية التشريعية والمؤسساتية اللازمة، مشيراً إلى أن إنشاء غرفة جنايات ضمن القضاء العادي لا يكفي لتأسيس محكمة عدالة انتقالية متكاملة.


كما لفت إلى وجود ملاحظات إجرائية على سير الجلسة الأولى، قد تفتح باب الطعن في قانونيتها، إضافة إلى غياب النقاش العام حول مشروع قانون العدالة الانتقالية وعدم عرضه على الضحايا أو منظمات المجتمع المدني.


وفيما يتعلق بالشق القانوني الدولي، أشار الشماس إلى إمكانية استناد القضاء السوري إلى القانون الدولي العرفي في النظر بالجرائم الكبرى، إلا أن غياب تعريف وطني واضح للجرائم ضد الإنسانية قد يخلق فجوة بين حجم الجرائم والعقوبات المطبقة.


من جهته، أوضح القاضي عبد الرزاق الحسين أن التحقيقات في هذه القضايا بدأت قبل أشهر، وأن ملف عاطف نجيب أُنجز بشكل مقبول، متضمناً اتهامات بالقتل والتعذيب، مع توصيف بعض الأفعال كجرائم ضد الإنسانية وفق معايير القانون الدولي.


وأثار نشر اعترافات أمجد يوسف حسب الكاتب جدلاً إضافياً، خاصة مع تأكيده عدم تلقيه أوامر من جهات أعلى، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لحصر المسؤولية في المنفذين المباشرين، بعيداً عن القيادات العليا.


وختم علي بالإشارة إلى أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا لا يزال في بداياته، محاطاً بتحديات قانونية وسياسية معقدة، ما يجعل من الصعب الحكم على مدى جديته في تحقيق العدالة الشاملة في المرحلة الراهنة.