من يخاف الحقيقية؟
هل تفتح السلطة الجديدة ملف اختفاء رزان زيتونة ورفاقها؟

  • A+
  • A-

نبض سوريا _ متابعة 

يرى الكاتب والحقوقي ميشال شماس أن قضية اختفاء الناشطة رزان زيتونة ورفاقها تُعد واحدة من أكثر الملفات كشفاً لهشاشة البنى السياسية والقضائية في المشهد السوري، وتعرّي حدود الخطاب الأخلاقي حين يصطدم بمصالح القوة. 


وقال الكاتب في مقال انه منذ اختفائهم في كانون الأول 2013 داخل مكتب مركز توثيق الانتهاكات في دوما، لم تُفتح أي تحقيقات جدية تكشف مصيرهم أو تحدد المسؤولين عن الجريمة، رغم أن المنطقة كانت خاضعة لسيطرة "جيش الإسلام"، ورغم وجود معطيات ظرفية قوية تشير إلى تورط مباشر أو غير مباشر لعناصره.


وأشار  شماس إلى أن هذا الصمت لم يكن نتيجة نقص الأدلة، بل نتيجة فائض الحسابات السياسية التي جعلت الحقيقة عبئاً ثقيلاً لا يرغب أحد في حمله. ففتح تحقيق حقيقي، كما يؤكد شماس، يعني استدعاء قادة ميدانيين، ومساءلة شخصيات نافذة، وربما كشف شبكة أوسع من التواطؤ، وهو ما لم تكن أي جهة مستعدة لتحمله في ذلك الوقت.


مع تغيّر المشهد اليوم، أصبحت الجهة التي كانت تقاتل نظام الأسد هي نفسها في موقع السلطة، تمتلك القرار، وتتحكم بالمؤسسات، وتدير القضاء، وتشرف على الهيئات التي أنشأتها بنفسها. وهنا يؤكد  شماس أن هذه السلطة اليوم هي صاحبة الولاية القانونية والسياسية، وهي وحدها من تملك القدرة على فتح ملف رزان ورفاقها.


وأضاف أن  استمرار الصمت بعد الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع السلطة لا يعني سوى شيء واحد أن المشكلة لم تكن في غياب الأدوات، بل في غياب الإرادة موضحا أن غياب التحقيق لا يعكس ضعف المؤسسات فحسب، بل يعكس أيضاً خوفاً عميقاً من سابقة قضائية قد تفتح الباب أمام مساءلة أشخاص ينتمون للسلطة.


 ويرى  شماس أن القضية ليست مجرد جريمة اختفاء قسري، بل اختبار حقيقي لمدى استعداد السلطة الحالية لمحاسبة نفسها لكن هذا الاختبار سقط مبكراً، حين جرى حصر التحقيق بجرائم نظام الأسد، وكأنها محاولة لتجنب النظر في انتهاكات جهات أخرى، رغم أن العدالة لا تتجزأ.


هذا النهج الانتقائي، كما يوضح الكاتب ، لا يغيّر من الطبيعة القانونية للجريمة. فالعدالة لا تُبنى على الانتقاء، بل بقدرتها على مواجهة كل الانتهاكات دون استثناء مشدداً على أن السلطة القائمة، أيّاً كانت، ملزمة بالتحقيق في جريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة مستمرة لا تسقط بالتقادم.


لا تقع المسؤولية على السلطة وحدها، إذ يمنح القانون ذوي المختفين الحق في تقديم بلاغ رسمي لكن يشير شماس إلى أن هذا الحق النظري يصطدم بواقع أمني وسياسي، وهذا العجز لا يُسقط حقهم، بل يجعل مسؤولية السلطة الحالية مضاعفة.


 ويوجّه شماس خطابه مباشرة إلى السلطة الحالية وإلى الهيئات التي أنشأتها، مؤكداً أن الهيئة الوطنية للعدالة وهيئة المفقودين يفترض أن تكونا قادرتين على فتح الملفات الأصعب. إن تحريك هذا الملف لا يحتاج إلى شكوى رسمية بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى اعتراف بأن العدالة لا تُبنى على الصمت.


وأكد  شماس أن إعادة فتح ملف رزان ورفاقها لا يقل شأناً عن ملفات عشرات الآلاف من المختفين في سجون الأسد المخلوع فهذه الجريمة، مثل غيرها، جزء من جرح وطني واحد لا يمكن تجزئته و هو اختبار لصدق أي سلطة تدّعي أنها بديل عن الاستبداد، واختبار لقدرتها على مواجهة الحقيقة من دون انتقائية.


ويختم  شماس مقاله بالقول إن الحقيقة ليست تهديداً، بل هي شرط للشفاء، والعدالة ليست انتقاماً، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان والدولة. وما لم تُظهر السلطة الحالية شجاعة في مواجهة هذا الملف، سيبقى الحديث عن العدالة الانتقالية مجرد خطاب جميل، وستبقى أسماء رزان ووائل وناظم وسميرة شاهدةً على ثمن الصمت، وعلى ضرورة أن يكون الحق أقوى من الخوف.