نبض سوريا - خاص
في وقتٍ تترقب فيه الساحتان المحلية والدولية خطوات السلطة الانتقالية السورية نحو بناء دولة القانون والمؤسسات، فاجأت وثيقةٌ مسرّبة لمشروع "قانون العزل السياسي" السوريين بما تحمله من نصوصٍ تضع البلاد أمام مفترق طرق خطير، إذ تبدو وكأنها أُعدّت لتكون أداة لإقصاء جماعي وتصفية حسابات تحت غطاء العدالة، بدلاً من أن تكون إطاراً للمساءلة الفردية التي تستند إلى معايير واضحة وتعمل على رأب الصدع المجتمعي، لا على تعميقه.
فوفقاً للنسخة التي حصل عليها وكالة "نبض سوريا" وصادقت عليها مصادر مطلعة، يُعرّف المشروع العزل بأنه "الحرمان المؤقت أو الدائم من تولي الوظائف والمناصب العامة"، لكنه يُوسّع دائرة المشمولين به بشكلٍ يُثير الدهشة، فيفرض عزلا لمدة عشرين عاما على كل وزير أو من يعادلهم بين 2011 و2024، مع استثناء المنشقين فقط، و" 17" عاماً على أعضاء مجلس الشعب في الفترة ذاتها، و"12" عاماً على المدراء العامين ورؤساء الهيئات، و"10" سنوات على القضاة والمحامين الذين انتُخبوا في المجلس.
و ينص المشروع على العزل السياسي الدائم لكل ضباط وضباط صف وأفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وكذلك لكل قيادات وأعضاء حزب البعث منذ عام 1970، إضافة إلى عزل المحافظين ونوابهم ورؤساء المجالس المحلية لمدة "17" عاماً تمتد إلى ما قبل أربعة عقود، مع مادة فضفاضة تتيح إخضاع أي شخص آخر للعزل بقرار معلل متى ثبت دعمه للنظام السابق.
مشروع "قانون العزل السياسي"، حسب حقوقيون وخبراء في العدالة الانتقالية، ينطوي فيه خلل جوهري يتمثل في تحويل العقاب من فردي إلى جماعي، إذ تُعاقب فئات كاملة على أساس انتمائها الوظيفي أو الحزبي، لا على أساس تورطها الفعلي في جرائم محددة، وكأنّ كل من حمل رتبة عسكرية أو انتسب للحزب أو جلس على كرسي وزارة هو شريك بالضرورة في القمع والفساد، متجاهلا مبدأ "الجريمة الشخصية والعقاب الشخصي" الذي يقوم عليه أي نظام عادل، فكيف يُمكن مساواة قائد أمني أصدر أوامر القتل بجنديٍ أدّى خدمته الإجبارية تحت الإكراه؟ أو موظف إداري أدّى واجباته الروتينية بمُخطّطٍ للانتهاكات؟
والأخطر، بحسب باحثين في الشأن السياسي، هو افتقار المشروع إلى أي ضوابط قضائية أو دستورية، فهو يخلو من آليات المحاكمة العادلة، وحق الدفاع، والاستئناف، والتمييز بين درجات المسؤولية، ويُقرّ عقوبات زمنية تصل إلى المؤبد دون سندٍ من جريمة محددة أو فترة زمنية للتورط، مما يُخرج العزل من إطار الإجراءات التأديبية إلى خانة الانتقام السياسي الممنهج، في حين أن المادة الفضفاضة التي تتيح إخضاع "أي شخص" للعزل بقرار معلل تفتح الباب على مصراعيه أمام توظيف القانون ضد أي معارض أو ناقد أو منافس تحت ذريعة دعم النظام السابق، وهو ما يُحذّر منه مراقبون دوليون، مؤكدين أن مثل هذا النص المطاط سيفقد القانون أيّ شرعية موضوعية ويُخضعه للمزاجية والاجتهادات الشخصية.
في هذا السياق، يجمع محللون سياسيون على أن المشروع بهذه الصيغة لا يخدم العدالة الانتقالية التي تقوم على كشف الحقيقة ومساءلة الجناة الحقيقيين وإصلاح المؤسسات، بل يُكرّس خطاب الكراهية ويُبقي الجروح مفتوحة، ويدفع اكثر من 15 مليون سوري إلى التمترس في مواقفهم بدلاً من الاعتراف بالأخطاء والمشاركة في بناء المستقبل، خاصة وأن سوريا بحاجة ماسة إلى مبادرات تصالحية تعترف بمعاناة الجميع، لا إلى قوانين إقصائية توسع الهوة بين الفرقاء وتُعمّق الانقسامات الطائفية والمناطقية.
واضاف المحللون "العزل الدائم لكل من ينتمي إلى الجيش أو الأمن أو حزب البعث، والذي يطال ملايين من الأسر والعائلات، يُشعرهم بأنهم مستهدفون لمجرّد انتمائهم، ويُعطي ذريعة للجهات الرافضة للتحول السياسي لتشكيك في نوايا السلطة الجديدة، ويُضعف موقفها محليا ودوليا، بل يُفقد أيّ مشروع للمصالحة الوطنية معناه".
وتابع المحللون "ما يُثير الاستغراب فعلاً هو أن السلطة الانتقالية، التي يُفترض أنها تمثل انقطاعاً مع ممارسات النظام البائد، تبدو وكأنها تستنسخ أسلوب الخصم ذاته في تعميم الاتهام واستخدام القانون كسلاحٍ للإقصاء، متناسية أن العدالة الحقيقية لا تُبنى على أنقاض الإقصاء، بل على أسسٍ من الإنصاف والمشاركة واحترام الكرامة الإنسانية لكل سوري، مهما كان ماضيه، طالما أنه لم ترتكب يده جرماً يُدان بالقانون.
وبدلاً من هذا المشروع ، يرى مختصون أن البديل العادل يجب أن يقوم على فردية المسؤولية، بحيث يُعزل من تثبت إدانته بارتكاب انتهاكات جسيمة أو فساد كبير، مع تحديد فترات عزل متناسبة مع حجم التورط وسقف زمني معقول، وتوفير ضمانات قضائية كاملة من حق الدفاع والمحاكمة العلنية والاستئناف، والتمييز بين آمر ومنفّذ تحت الإكراه، وإدراج استثناءات واضحة لمن انشقّوا أو قدّموا استقالاتهم أو ثبت عدم تورطهم، وآلية دورية لإعادة النظر في القرارات لمن أثبت تغيير موقفه أو خدمته للوطن.
وبين المختصون انه لا يمكن لأي مشروع عدالة أن ينجح إذا أمعن في التقسيم والإقصاء، فالعدالة الانتقالية في سوريا ليست ترفاً بل ضرورة، لكنها يجب أن تكون عدالة تُصلح لا تُدمّر، وتوحّد لا تفرّق، وتستند إلى البرهان لا إلى الانتماء، وإلا فإن مشروع العزل السياسي بصيغته الحالية سيبقى وصمةً في جبين المرحلة الانتقالية، ووثيقةً لإقصاء الخصوم وتصفية الحسابات، وستظل سوريا أسيرة شرخها المجتمعي، بعيدةً عن أي مصالحة حقيقية.
ودعا حقوقيون السلطة الانتقالية إلى إعادة النظر جذرياً في هذا المشروع، والاستعانة بخبراء قانونيين واجتماعيين لوضع صيغة متوازنة، وإشراك مختلف مكونات المجتمع في النقاش، والالتزام بالمعايير الدولية التي تضع الفرد وليس الجماعة في صلب المساءلة، لأن بناء دولة المواطنة الحقيقية لا يقوم على الأنقاض التي يخلفها الإقصاء، بل على أسسٍ من الإنصاف والمشاركة، وكسر دوائر الكراهية، وفتح الطريق أمام مستقبلٍ يُحتضن كلَّ السوريين.