نبض سوريا - متابعة
في مشهدٍ يعكس فجوة واسعة بين خطابات التخفيف وواقع القرارات، أقدمت السلطة المؤقتة في سوريا على تعديل جديد لأسعار المحروقات هو الثالث منذ حزيران الماضي، وسط سخط شعبي متصاعد وتساؤلات عن جدوى السياسات الاقتصادية الهشة التي تزيد الأعباء على مواطن أنهكته الحروب والعقوبات.
وبدأت محطات الوقود صباح اليوم الجمعة بتطبيق التسعيرة الجديدة التي حددتها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية، والتي رفعت بموجبها سعر ليتر بنزين "أوكتان 90" إلى 14,500 ليرة سورية، والمازوت إلى 12,100 ليرة، بينما تراوح سعر أسطوانة الغاز المنزلي بين 147,000 و150,000 ليرة.
وأرجعت اللجنة في بيانها الموجز هذا التعديل إلى "ارتفاع أسعار النفط عالمياً هذا الأسبوع وفق المتغيرات العالمية"، في تبرير مكرر بات يثير السخرية في الشارع، خصوصاً أن المواطنين يتساءلون: لماذا تبقى الأسعار المحلية رهينة التقلبات العالمية بينما تغيب أي سياسة حماية أو دعم حكومي؟ ولماذا لا تمتلك الدولة آلية لتثبيت الأسعار أو تعويض الفروقات؟ والأغرب أن وزارة الطاقة والشركة السورية للمحروقات "سادكوب" لم تنشرا النشرة الرسمية حتى لحظة كتابة هذا التقرير، رغم أن المحطات باشرت بالزيادة منذ ساعات الصباح، في مؤشر على تخبّط إداري وممارسات تفتقد الشفافية والمصداقية.
ويعكس هذا التعديل، الذي طاول البنزين والمازوت والغاز، حالة من العشوائية في رسم السياسات الاقتصادية، حيث شهد منتصف الشهر الجاري رفعاً للأسعار بنسبة 12%، ثم انخفاضاً وهمياً، واليوم ارتفاع جديد، دون أن تلمس الحكومة حاجة المواطن الأساسية إلى الاستقرار في سوقٍ تتحكم به التقلبات والمفاجآت.
في الأثناء، عبّر مواطنون عن استيائهم من استمرار هذه القفزات التي تنعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية وأجور النقل وكلفة الخدمات، في وقت تعاني فيه الغالبية العظمى من الأسر من تراجع مدمر في القدرة الشرائية، فيما يتجاوز حد الفقر المدقع.
وفي ختام هذا المشهد المتكرر، يبقى السؤال الأقسى: هل تعتقد هذه السلطة المؤقتة أن الشعب السوري سيواصل تحمّل زيادات شهرية لا مبرر لها سوى "المتغيرات العالمية"، بينما الدولة عاجزة عن تأمين شبكة أمان اجتماعي أو حتى نشر تسعيرة رسمية قبل تطبيقها؟ أم أن الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن المواطن السوري، في حسابات هذه الحكومة، مجرد رقم يُضاف إلى قائمة الإيرادات، وليس إنساناً يحقّ له العيش بكرامة؟
فبين وعود التخفيف وقسوة التطبيق، وبين خطابات الإصلاح ووقائع التخبّط، تواصل السلطة المؤقتة حصد غضب الشعب وإهدار ثقة لم يتبقَّ منها إلا القليل، لتثبت مرة أخرى أنها ليست أقدر على إدارة الأزمات من سابقاتها، بل ربما أكثر جبناً في مواجهة السوق الدولية وأكثر استسلاماً لتقلباتها، على حساب جوع السوريين ويأسهم.