نبض سوريا - متابعة
لا يمر خبر التوقيف على قناة وزارة الداخلية السورية كإشعار إداري مجرّد، بل يحمل في طيّاته صورةً أو مقطعاً يُعلن فيه المتهم مداناً قبل أن تنطق المحكمة بكلمتها غير أن المتابع يصطدم بتفاوت لافت: بعض الوجوه تُكشف بالكامل مع الأسماء، بينما تُموّه أخرى وتُختصر حروفها، وكأن الوزارة تطبق معيارين بصريين مختلفين دون أن تكشف عن مبرراتهما، هذا التفاوت ليس مجرد اختلاف في الأسلوب التحريري، بل يطرح سؤالاً أعمق عن كيفية إدارة السلطة للصورة البشرية في لحظة اعتقال، وعن حدودها بين الإعلام والقضاء.
في تحقيق استقصائي امتد ستة عشر شهراً، من ديسمبر 2024 حتى مايو 2026، تتبّع الكاتب الصحفي نبيل نجاصة 590 منشوراً على القناة الرسمية للوزارة تكشف نمطاً قاسياً: من بين 309 حالة طُمست فيها الوجوه، كانت 296 حالة جنائية، بينما في المقابل، أظهرت الوجوه المكشوفة (281 حالة) استهدافاً شبه كامل لموقوفي "الفلول" (220 حالة)، كُشف معها الاسم في 173 حالة، أما متهمو "داعش" فجاءوا في موقع وسط، إذ بلغت الوجوه المكشوفة 34 حالة من أصل 45.
على صعيد التوزع الجغرافي بحسب صانع التقرير ، تصدّرت محافظة اللاذقية المشهد بـ84 حالة، منها 76 مكشوفة، وحتى التهم الجنائية هناك لم تسلم من كشف الوجوه في 12 حالة، مما يشير إلى خصوصية إقليمية في سياسة النشر تُضيف طبقة أخرى من التحليل.
لكن الأرقام، مهما كانت دلالتها، تبقى مدخلاً فقط، ففي تفاصيل حالات محددة، يتجاوز الأمر الانتقائية إلى ما يُشكّك في مصداقية المصدر ذاته، حبث وثق نجاصة ثلاث حالات نموذجية ،الأولى: تناقضٌ في البيانات التعريفية، إذ نُشر طول شخص معين 185 سم في منشور، ثم 195 سم في منشور آخر بعد أسبوع واحد، مما يشير إلى فوضى في إدارة المعلومات أو إعادة استخدام الصور في سياقات متعددة، اما الثانية: اعتقال شاب من طرطوس بتهمة جنائية بسيطة، فوجئت عائلته بظهور صورته في دمشق ضمن خلية إرهابية تستهدف كنيسة، في تحويل مريب لملفه إلى رواية أمنية كبرى دون مبرر فيما الثالثة للشاب زين العروس، الذي اعتُقل لمشاركته في مظاهرات سلمية حاملًا لافتة "لا نريد حرباً أهلية"، ليُفاجأ بنشر صورته بتهمة "جرائم حرب"، فبات وجهه الرقمي وصمةً تلاحقه حتى بعد خروجه من السجن بعد أربعة أشهر ونصف.
وفي هذا السياق، يستشير نبيل نجاصة الخبير القانوني محمد العبد الله، المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، ليؤكد أن نشر الصورة والاسم الكاملين قبل صدور حكم مبرم (أي بعد استنفاد درجات الاستئناف والنقض) يشكّل طعناً صريحاً بقرينة البراءة، المبدأ الدستوري الراسخ في سوريا والعالم.
واوضح العبد الله أن "علنية المحاكمة" تعني حق الجمهور في حضور الجلسات، لا حق النشر الإعلامي للصور والأسماء، ويضرب مثالاً بألمانيا حيث يحظر القضاء نشر الاسم الكامل حتى في القضايا المتداولة إعلامياً، ويكتفى بالحروف الأولى، ويُسمح للمتهم بتغطية وجهه.
وحذر من خطورة هذه الممارسة في بيئة سورية ما بعد النزاع، حيث يسود انعدام الاستقرار الأمني وأنماط العنف الانتقامي، فالصورة المنشورة قد تتحول إلى حكم إعدام اجتماعي، وتُعرّض الموقوف وعائلته للنبذ والتهديد والانتقام حتى لو ظهرت براءته لاحقاً، وتُحمّل الوزارة مسؤولية قانونية ومالية في حال الإفراج عنه.
وحدد الخبير ثلاثة ضوابط أساسية لأي بروتوكول نشر مسؤول: الالتزام بقرينة البراءة عبر إخفاء الوجه وتشفير الاسم، والحصول على إذن النيابة العامة قبل النشر، والاكتفاء بالحد الأدنى من المعلومات في الحالات التي تمس الصالح العام دون التأثير على عدالة المحاكمة.
وهنا يصل الكاتب نبيل نجاصة إلى خلاصة تحليله، تؤكد أن وزارة الداخلية تدير صور الموقوفين كأداة تواصل أمني انتقائي ودعائي، لا كوثائق قضائية محايدة ، فالبيانات تكشف عن نمط لا يخضع لمنطق قانوني موحد، فالتهم المنسوبة إلى "الفلول" كانت الأكثر اقتراناً بكشف الوجه والاسم، بينما حظي "المجرم العادي" بتمويه بصري في الغالب، كأنما السلطة لا ترى في كشفه داعياً إعلامياً، أو تتعامل معه بشكل "أكثر حماية" بصرياً.
هذا التباين حسب نجاصة يطرح احتمالين: إما أن الأولوية الأمنية تحكم الفرز، وإما أن كشف الوجه في قضايا "الفلول" يُشكّل إضافة بصرية إلى هزيمة سياسية وعسكرية سابقة، أي أن الأمر يتجاوز الاعتقال إلى ما يُمكن اعتباره مزيداً من إخضاع المهزومين، في اشارة الى ان صورة الموقوف تُدار كأداة تواصل أمني انتقائي، لا كوثيقة قضائية محايدة.
وبحسب التقرير، تتقاطع الانتقائية في إظهار الوجوه وكشف الأسماء، مع الانفصال بين "مواسم" النشر و"مواسم" الاعتقال، مع الفوضى في البيانات التعريفية للأشخاص أنفسهم، لتُشكّلَ مشهداً عن مؤسسة تستخدم الصورة البشرية كمادة ردعية ودعائية قبل أن يتولى القضاء معالجة القضايا قانونياً.
والأخطر أن هذه الممارسة، في بيئة ما بعد نزاع مسلح ومجتمع منقسم، لا تُهدد عدالة المحاكمات، وبالتالي حقوق الضحايا فحسب، بل تُهدد حياة الموقوف نفسه وسلامته، وقد تحرم أسرته من فرص العمل والعيش، وقد تُعرّضهم للنبذ والانتقام حتى قبل أن تُعلِن المحكمة كلمتها الأخيرة.
السؤال إذن، برأي نبيل نجاصة: هل يجوز أن تنشر الوزارة صور الموقوفين؟ هل تستطيع السلطة أن تقاوم إغراء تحويل العدالة إلى مشهد، وأن تُدرِكَ أن الوجوه التي تُعرضها اليوم على قنواتها الرسمية قد تتحول غداً إلى شهادات ضدها؟