نبض سوريا -متابعة
لم تعد "إسرائيل" تتعامل مع سوريا كجبهة واحدة، بل كخريطة مفتوحة تضرب فيها حيث تشاء ،ففي الوقت الذي تتوغل فيه برياً في ريفي القنيطرة ودرعا جنوباً، تنفذ غارات جوية في عمق الشمال السوري مستهدفة مطار أبو الظهور العسكري على بعد 300 كيلومتر من حدودها، في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع المفتوح على الأراضي السورية.
التوغلات الإسرائيلية.. جنوب بلا حدود
منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وسّعت "إسرائيل" وجودها العسكري في جنوب سوريا، متجاوزة المنطقة العازلة المتفق عليها بموجب اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 ودفعت بقواتها إلى شريط أمني بعمق 15 كيلومتراً في ريفي القنيطرة ودرعا، في توغلات تتكرر يومياً بذريعة البحث عن أسلحة و"مخاوف أمنية".
ففي القنيطرة، توغلت قوات الاحتلال في قرية طرنجة فجر اليوم وشنت حملة تفتيش على منازل السكان، كما استهدفت بالقذائف أراضٍ زراعية بين بلدتي الصمدانية وتل كروم ومحيط قرية طرنجة شمالاً وفي درعا، توغلت قوة إسرائيلية في قرية عابدين ونفذت عمليات تفتيش واعتقلت أربعة أشخاص قبل الإفراج عن اثنين منهم.
ولا تقتصر الانتهاكات على التوغل، فقد اعتقلت إسرائيل 47 شخصاً من محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق، بينهم قاصرون، في وقت لا يزال فيه أهالي المعتقلين ينظمون وقفات احتجاجية أمام مقر قوات "الأندوف" في القنيطرة مطالبين بالإفراج عنهم.
وبحسب إحصاءات، سُجلت 70 عملية توغل إسرائيلية خارج المنطقة العازلة بين آذار وتموز 2026، من أصل 109 عمليات، في تصعيد ممنهج يقوّض سيادة البلاد.
أبو الظهور.. الضربة التي غيرت المعادلة
في تطور نوعي، استهدفت أربع غارات جوية فجر اليوم مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، مركزة على مدارج الإقلاع والهبوط، المطار يبعد 300 كيلومتر عن الأراضي المحتلة و60 كيلومتراً فقط عن الحدود التركية.
ورغم نفي إذاعة الجيش الإسرائيلي تنفيذ أي غارة في سوريا منذ آذار الماضي، أكدت وسائل إعلام سورية وقوع الغارات، فيما اكتفت وكالة فرانس برس بالنقل دون تأكيد رسمي.
ويرى محللون ان الضربة تحمل دلالات استراتيجية عميقة فهي الأولى من نوعها التي تستهدف هذا المطار في أقصى الشمال الغربي، مما يعني أن "إسرائيل" لم تعد تكتفي بالعمليات على الحدود أو في المناطق الوسطى، بل وسّعت دائرة استهدافاتها لتشمل العمق السوري الشمالي بالكامل، متجاوزة بذلك كل الخطوط الحمراء السابقة.
اعتراف كولومبيا.. ثغرة في الجدار القانوني
في سياق متصل، أعلنت كولومبيا الإثنين الماضي اعترافها بـ"السيادة الإسرائيلية" على الجولان السوري المحتل، لتصبح ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تتخذ هذا الموقف وبررت القرار بـ"الأهمية الاستراتيجية" للجولان لأمن "إسرائيل".
أثار القرار موجة إدانات عربية ودولية واسعة. فأكدت الخارجية السورية في الحكومة الانتقالية أن الجولان "جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية"، واعتبرت البيان الكولومبي "انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة" ونددت به مصر والسعودية ومجلس التعاون الخليجي والبرلمان العربي، استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 الذي يعتبر الإجراءات الإسرائيلية في الجولان "باطلة ولاغية".
نتنياهو يتحدى.. "أرضنا وستبقى لنا"
لم ينتظر نتنياهو طويلاً ففي تسجيل مصور من الجولان، عبر عن امتنانه لكولومبيا، متوعداً: "أرضنا وستبقى لنا دائماً"، زاعماً أن لإسرائيل "جذوراً هنا تعود إلى أيام مدن الملجأ التي خصصها النبي موسى".
هذا الطرح الديني قوبل بتفنيد تاريخي واسع، إذ أكد باحثون أن النبي موسى لم يرتبط بالجولان بجذور استيطانية، وأن مروره بالمنطقة كان محطة عسكرية عابرة قبل وفاته قرب جبل نيبو في الأردن.
التنافس التركي - الإسرائيلي.. سوريا ساحة المواجهة
خلف المشهد العسكري، يتصاعد تنافس محموم بين تركيا وإسرائيل على النفوذ في سوريا فمنذ تغيير النظام في ديسمبر 2024، تحول الخلاف الدبلوماسي إلى منافسة هيكلية.
يرى الإسرائيليون أن تركيا هي "الحليف الأخطر" للدولة السورية الجديدة، ليس فقط لأنها تقدم دعماً ملموساً لإعادة بناء" الجيش السوري"، بل لأن نفوذها قد يمتد من تركيا مروراً بسوريا وصولاً إلى غزة وفلسطين وتحاول إسرائيل قطع الطريق على تركيا عبر تكثيف الضربات للمطارات والقواعد العسكرية.
في المقابل، يتهم الرئيس التركي أردوغان إسرائيل بـ"فرض الأمر الواقع" على سوريا، متوعداً: "لن نسمح بذلك"، ومؤكداً أن "أمن تركيا لا يبدأ من حدودها، بل من حلب ودمشق وبيروت".
أما نتنياهو، فوصف تركيا بأنها دولة ذات "طموحات عدوانية"، وحذّر من أن بيع مقاتلات F-35 لأنقرة قد "ينسف توازن القوى" في المنطقة ،وتحت هذا التنافس المحموم، تتحول سوريا إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوتين إقليميتين، كل منهما ترسم خرائط نفوذها على حساب السيادة السورية.
في هذا المشهد المتشابك، تبدو سوريا رقعةً مفتوحة للتوغل الإسرائيلي آخذ في التمدد، فيما تتصارع عليها أطراف إقليمية ودولية، وسط غياب واضح للحكومة السورية الانتقالية عن أي ردع فعلي لهذه الانتهاكات المتصاعدة.