1000دولار للجديد 150 للقديم ..
كيف حوّلت مؤسسات الإعلام الرسمية قدامى موظفيها إلى منبوذين، بينما تُكرِم الجدد بأضعاف الراتب؟"

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - خاص

في مشهد يعيد إنتاج آليات الإقصاء بوجوه جديدة، يجد إعلاميو سوريا القدامى أنفسهم بعد سقوط النظام أمام واقع أقسى من السابق، حيث تتضاعف رواتب الوافدين الجدد بينما يُترك أصحاب الخبرة ليعيشوا على فتات الأجور في صمت مذلٍّ.


لم يكن سقوط نظام بشار الأسد نهاية لمعاناة موظفي القناة الإخبارية السورية، بل بدا لكثير منهم فاتحة مرحلة أخرى من الجور، بأدوات مختلفة ووجوه تبدو جديدة لكنها تحمل ذات المنطق القائم على التمييز وإعادة إنتاج الظلم.


يُصدم موظفون أمضوا سنوات طويلة في المؤسسة بأنفسهم بعد التغيير، وهم يواجهون واقعاً يشعرون فيه بأنهم يُدفعون ثمن بقائهم في أماكن عملهم خلال المرحلة السابقة. لا لذنب ارتكبوه، ولا لتقصير مهني، بل لأنهم ببساطة كانوا هناك قبل وصول الإدارة الجديدة.


مفارقة الأجور: عمل واحد وقيمتان مختلفتان


المفارقة الأكثر قسوة أن الموظف الذي بقي في المؤسسة سنوات طوعة، واكتسب خبرة متراكمة، ويؤدي اليوم العمل نفسه الذي يؤديه القادم الجديد، يجد نفسه يتقاضى راتباً لا يتجاوز في كثير من الحالات 150 دولاراً، بينما يحصل "موظفو الثورة" الذين جرى استقدامهم بعد التغيير على رواتب تتراوح -بحسب ما يتداوله العاملون- بين 800 و1000 دولار، مع حديث عن أرقام أعلى لبعض الأسماء الإعلامية قد تصل إلى 3000 دولار.


المشكلة ليست في حصول الموظف الجديد على راتب جيد، بل في أن الموظف القديم يؤدي العمل نفسه، وكثيراً ما يعمل أكثر ويتحمّل أعباء أكبر بحكم خبرته، ثم يُعامل مالياً وكأن سنوات عمله لا تساوي شيئاً. فأي عدالة تسمح بأن يؤدي موظفان المهمة نفسها، ويداومان في المكان نفسه، ويخضعان للتعليمات ذاتها، ويتحمّلان الضغط نفسه، بل ربما يكون الأقدم أكثر خبرة وإنتاجاً، ثم يحصل أحدهما على أضعاف ما يحصل عليه الآخر؟


وإذا كانت هناك فروقات في المسؤوليات أو الكفاءة، فلماذا لا تكون معاييرها واضحة للجميع؟ ولماذا يصبح تاريخ الموظف، وليس أداؤه، هو العامل الأبرز في تحديد قيمته؟


مكتب التفعيل... والنفي إلى المحافظات


بحسب ما ينقله موظفون داخل المؤسسة، تجاوزت المشكلة مسألة الرواتب إلى طريقة التعامل مع الموظفين السابقين. فقد جرى وضع عدد منهم في ما يُعرف بـ"مكتب التفعيل"، من دون عمل فعلي واضح، مع إلزامهم بالدوام، قبل أن يُنقل عدد منهم إلى المحافظات الشرقية في ظروف جعلت استمرارهم في الوظيفة أكثر صعوبة، الأمر الذي انتهى باستقالة عدد منهم فعلياً.


وبالنسبة إلى موظف محدود الدخل، فإن نقله إلى منطقة بعيدة ليس مجرد قرار إداري، بل قد يعني تكاليف إضافية لا يستطيع تحمّلها، وابتعاداً عن عائلته، ووضعه أمام خيار قاسٍ: إما الاستمرار في وظيفته التي يحتاج إليها، أو ترك مصدر رزقه.


الموظف البسيط... في مرمى الضغط


الأشد قسوة أن غالبية هؤلاء الموظفين ليسوا من أصحاب الثروات أو مصادر الدخل المتعددة، هم موظفون بسطاء عاشوا أصلاً سنوات طويلة على رواتب محدودة. حاجتهم إلى الراتب تجعل قدرتهم على مواجهة الضغط محدودة للغاية. فلمن لا يملك إلا راتبه، لا تكون الاستقالة خياراً سهلاً، ولا يتحمّل النقل إلى مكان بعيد، ولا يستطيع ببساطة أن يقول إنه سيغادر بحثاً عن فرصة أخرى.


وحين يعرف صاحب القرار أن الموظف مرتبط بهذا الراتب، يصبح الضغط عليه أكثر سهولة وأشد تأثيراً. مجرد الاعتراض أو الحديث عن ظروف العمل والرواتب قد يجعل الموظف عرضة للتهديد بالنقل إلى "مكتب التفعيل"، الأمر الذي يجعل الصمت أحياناً الطريق الأكثر أماناً للحفاظ على الوظيفة. وهنا تتحول الحاجة إلى الراتب من مجرد ظرف اقتصادي إلى وسيلة ضغط، ويجد الموظف نفسه أمام معادلة لا تترك له مساحة: إما أن يصمت ويتحمّل، أو يتحدث ويخاطر بمصدر رزقه.


من ظلم الأمس إلى ظلم اليوم


هذه الصورة هي التي تجعل الموظفين يتحدثون عن انتقالهم من ظلم النظام السابق إلى ظلم المرحلة الجديدة. فهم لا يدّعون أنهم كانوا أصحاب سلطة في عهد الأسد، ولا يرون أن مجرد عملهم في مؤسسة إعلامية رسمية يجعلهم مسؤولين عن سياسات النظام السابق. كانوا موظفين يؤدون أعمالهم، وكثير منهم لم يكن يملك أصلاً القدرة على اختيار المؤسسة التي يعمل فيها أو تغيير واقعه الاقتصادي. لذلك يرون أن محاسبة الإنسان على الحقبة التي عمل خلالها، بدلاً من محاسبته على أدائه وأفعاله، ليست عدالة.


الموظف القديم لا يطلب أن يُمنح امتيازاً لأنه قديم، ولا يطالب بإقصاء الموظف الجديد. كل ما يريده أن يكون معيار التقييم واحداً. فإذا كان العمل نفسه، فلماذا هذا الفارق الهائل في الأجر؟ وإذا كان أحدهم يستحق 800 أو 1000 دولار بسبب طبيعة عمله، فلماذا لا يحصل الموظف الذي يؤدي العمل نفسه، وربما أكثر، على أجر يتناسب مع جهده وخبرته؟


المسألة ليست حسداً لمن يحصل على راتب أعلى، بل اعتراض على أن يصبح العمل نفسه ذا قيمتين مختلفتين بحسب المرحلة التي جاء فيها صاحبه.


حين يتحول الراتب إلى سلاح


الأكثر إيلاماً أن هؤلاء الموظفين كانوا ينتظرون من المرحلة الجديدة أن تنصفهم تحديداً لأنهم عاشوا سنوات من الظلم. كانوا يأملون أن يصبح معيار المؤسسة هو الكفاءة، وأن تُحترم الخبرة، وأن تكون الرواتب عادلة، وأن ينتهي زمن الخوف من السلطة. لكن ما يشعرون به اليوم هو أن السلطة تغيرت، بينما بقي الموظف البسيط في الموقع الأضعف؛ راتبه محدود، خياراته محدودة، وقدرته على الاعتراض محدودة، والخوف من خسارة مصدر رزقه حاضر دائماً.


القضية هنا لم تعد مجرد خلاف على 150 دولاراً أو 800 دولار، بل أصبحت أكبر بكثير: هل يُعامل الإنسان وفق عمله، أم وفق المرحلة السياسية التي جاء منها؟ وهل سقوط النظام يعني فعلاً سقوط كل أشكال الظلم، أم أن الظلم يمكن أن يعود بصيغة جديدة ويستهدف الأشخاص أنفسهم الذين كانوا أصلاً في موقع الضعف؟


اختبار العدالة الحقيقي


هؤلاء الموظفون لا يطلبون العودة إلى الماضي، ولا يدافعون عن النظام السابق، ولا يطالبون بإعفائهم من أي محاسبة مهنية. ما يطلبونه أبسط من ذلك بكثير: ألا يدفعوا ثمن مرحلة لم يكونوا أصحاب قرار فيها، وألا تتحول حاجتهم إلى الراتب إلى وسيلة لإخضاعهم، وألا تصبح سنوات خبرتهم داخل المؤسسة سبباً لوضعهم في مرتبة أدنى من موظف جاء بعدهم.


فإذا كانت المرحلة الجديدة تريد فعلاً أن تختلف عن المرحلة السابقة، فإن الاختبار الحقيقي لا يكون في تغيير الأسماء والوجوه، بل في الطريقة التي يُعامل بها الموظف الذي لا يملك إلا راتبه. لأن الظلم لا يصبح عدلاً عندما يتغير صاحبه، والضغط لا يصبح مقبولاً لمجرد أنه يأتي من سلطة جديدة.


ويبقى السؤال الذي يطرحه هؤلاء الموظفون، ويستحق أن يفتح ملفاً كاملاً عن العدالة داخل المؤسسة الإعلامية: إذا كنا نعمل العمل نفسه، ونحمل المسؤوليات نفسها، ونلتزم بالدوام نفسه، بل نعمل أكثر ونملك خبرة أطول، فلماذا أصبحت قيمة عملنا أقل بأضعاف؟