كابوس النقل والفصل الوظيفي؟
إلى متى سيظل الموظف العلوي مستهدفاً في لقمة عيشه بالمؤسسات الحكومية والخاصة ؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة  

في مشهد يعيد إنتاج مأساة التهميش التي طالت أبناء الطائفة العلوية منذ سقوط النظام ، بات الموظف العلوي يقف وحيداً أمام آلة إدارية طائفية لا تترك له خياراً سوى الاستقالة القسرية أو الخضوع لإذلال لا يليق بكرامة إنسان ومع كل قرار نقل أو فصل، يترسخ في وجدان العلويين سؤال مرير: إلى متى سيظل لقمة عيشهم رهينةً لأهواء سياسية؟ ومتى سينتهي هذا الكابوس الذي يحوّل المؤسسات العامة إلى ساحات لتصفية الحسابات الطائفية؟


يأتي قرار النقل الجائر لموظفي مرفأ طرطوس والشركة العامة للموانئ إلى جمارك حمص، ليكون أحدث حلقة في سلسلة إجراءات عززت شعوراً عميقاً بالقلق لدى العلويين، الذين يرون في هذه الممارسات محاولة مكشوفة لتجفيف موارد رزقهم وتهميش دورهم، في وقتٍ تشتد فيه الحاجة إلى طمأنة جميع المكونات وبناء دولة المواطنة المتساوية التي تجمع ولا تفرق.


كشفت مصادر محلية أن قرار النقل شمل 68 موظفاً في مرفأ طرطوس وقرابة 70 في اللاذقية، غالبيتهم من الفئات الإدارية ممن تجاوزت أعمارهم 45 عاماً، بينهم حالات مرضية مزمنة، أبرزها موظف كفيف وآخر مصاب بشلل عضلي.


وأوضحت المصادر ذاتها أن القرار أثار إشكاليات قانونية، إذ دفعت سنوات الخدمة الطويلة (أكثر من 25 عاماً) البعض إلى تقديم استقالاتهم فوراً تفادياً للانتقال، بينما عجز آخرون عن ذلك لعدم اكتمال شروط التقاعد.


 كما لفتت المصادر إلى أن القرار طُبق بشكل انتقائي، إذ استثنى قطاعات أخرى في المحافظات ذاتها، مما أثار تساؤلات واسعة حول معايير الاختيار، في مشهد يطرح بقوة: لماذا العلويون وحدهم من يُستهدفون بهذه القرارات؟


وفق شهادات موظفين سابقين، فور التحاق المعنيين بجمارك حمص، أُخضعوا لبرنامج تدريبي في منطقة تدمر العسكرية ثم معسكر شنشار، تضمن تدريبات بدنية شاقة وحراسات ليلية، وُصفت بأنها "لا تتناسب مع أعمارهم أو مؤهلاتهم الإدارية".


وأشارت المصادر إلى أن الإدارة رفضت مراعاة الحالات الصحية، بل زادت من الضغوط على المعترضين، وألزمتهم بأعمال تنظيف وعهالة، في خطوة اعتبرتها نقابات مستقلة "استفزازية ومهينة للكرامة الإنسانية" وأدى هذا الأسلوب إلى استقالة عدد إضافي من الموظفين تحت وطأة الضغوط النفسية والجسدية، وسط تساؤل مرير: هل هذه هي الطريقة التي يُكافأ بها موظفون قضوا ربع قرن في خدمة مؤسساتهم؟


في تطور لافت، قوبلت الشكوى الجماعية المقدمة إلى رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، قتيبة بدوي، بصمت رسمي مطبق، دون أي رد أو توضيح، مما عزز الاتهامات بأن القرارات ليست إدارية بحتة، بل تحمل أبعاداً سياسية وطائفية واضحة.


وفي سياق متصل، أوردت مصادر محلية أن مديرية المصالح العقارية في طرطوس شهدت فصل 50 موظفاً، وفي اللاذقية 70 موظفاً، غالبيتهم من طائفة بعينها، بينما جُددت عقود معظم المحافظات الأخرى بقرار من المدير العام، في نمط اعتبره متابعون "ممنهجاً" ومتعمداً ويطرح هذا المشهد سؤالاً محورياً: أين دور الجهات الرقابية؟ ولماذا هذا الصمت المريع في مواجهة ممارسات تهدد السلم الأهلي؟


ترسم هذه الوقائع صورة قاتمة لدى أبناء الطائفة العلوية، الذين يرون في أنفسهم اليوم فئة مستهدفة بإجراءات إدارية متتالية تهدف إلى تهميشهم وتجفيف منابع عيشهم، في مشهد يعيد إلى الأذهان موجات النزوح والتهجير القسري التي طالتهم في عدد من المحافظات.


ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه السياسات دون محاسبة أو تدخل رسمي لتصحيح المسار، سيفاقم حالة الاحتقان ويهدد السلم الأهلي في مناطق كانت تعتبر معاقل للطائفة العلوية، خاصة في محافظتي طرطوس واللاذقية.. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كم ستتحمل هذه المناطق قبل أن ينفجر الغضب المكبوت؟