نبض سوريا - متابعة
مع دخول العدوان الأمريكي على إيران ليلته الثانية عشرة على التوالي، واستخدام واشنطن قاذفات "بي-1" الاستراتيجية بعيدة المدى لأول مرة منذ استئناف القتال، تتزايد التساؤلات حول الهدف الحقيقي من هذه الحملة العسكرية المتصاعدة، ففي الوقت الذي تراهن فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب على تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية وإجبار طهران على الرضوخ، تجدد إيران تاكيدها ان مضيق هرمز سيظل مغلقا أمام الملاحة الدولية، مما يطرح سؤالاً مصيرياً: هل ستنجح واشنطن في كسر إيران، أم أن هذا التصعيد المتسارع سيفتح أبواب حرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها؟
في أقصى حدود التصعيد، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن مضيق هرمز سيظل مغلقاً طالما استمرت "الأعمال العدوانية الأميركية" في المنطقة، متوعداً أي سفينة تحاول العبور دون تنسيق مسبق بـ"المصير نفسه".
وشدد على أن أي انحراف عن المسارات المحددة أو تجاهل للبروتوكولات الإيرانية سيقابل برد "فوري وحاسم"، محذراً من أن التدخلات الأميركية في المضيق لا تجلب للعالم سوى أزمة طاقة ونقص في الأسمدة الزراعية. وفي المقابل، أكدت القيادة المركزية الأميركية أن طهران لا تسيطر فعلياً على الممر المائي، غير أن المصادر العسكرية الإيرانية أوضحت أن سلطة إدارة حركة الملاحة تقع حصراً بيدها.
وسعياً لكسر الحصار المفروض على ممراتها المائية، وسّعت طهران نطاق عملياتها العسكرية لتشمل القواعد الأميركية في دول الجوار مباشرة، فقد أعلن الحرس الثوري تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع أميركية في الكويت، أسفرت عن تدمير مستودع كبير للمعدات العسكرية، ومنظومة دفاع جوي من طراز "باتريوت"، وحظيرة طائرات مسيّرة أميركية من طراز "إم كيو-9" في قاعدة علي السالم الجوية، إضافة إلى استهداف معسكر العديري، مما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الجنود الأميركيين وإلحاق أضرار جسيمة بعدد من المروحيات والطائرات المسيّرة.
وفي الأردن، أعلن الحرس الثوري شن هجمات خاطفة دمرت خلالها راداراً تابعاً لمنظومة الدفاع الصاروخي "ثاد"، ومنظومة "باتريوت" ورادار "سي-رام"، وأضرمت النار في خزانات الوقود التابعة للقاعدة، إضافة إلى تدمير مستودع كبير لمعدات المروحيات وعنبر صيانة وإصلاحها.
كما استهدف الجيش الإيراني، بشكل منفصل، مواقع أميركية في الكويت شملت مستودعات الذخيرة والإمدادات اللوجستية في قاعدة الدوحة، وخزانات الوقود في قاعدة علي السالم، ومستودع الذخيرة في معسكر عريفجان.
في الجانب الآخر من المعادلة، تواصل واشنطن تصعيدها العسكري الممنهج، إذ أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" تنفيذ جولة جديدة من الضربات ضد إيران بتوجيه مباشر من الرئيس ترامب، استهدفت قدرات بحرية، ومنشآت لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومواقع مراقبة ساحلية، وأصولاً للدفاع الجوي، في عملية استمرت خمس ساعات.
وكشف موقع "أكسيوس" نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن الجيش استخدم، يوم الثلاثاء، القاذفة بعيدة المدى "بي-1" لضرب أهداف تابعة للحرس الثوري، في أول مهمة من هذا النوع منذ استئناف القتال قبل 12 يوماً، وتتميز هذه القاذفة بقدرتها على حمل ما يصل إلى 24 قنبلة زنة ألفي رطل، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تمثل توسعاً نوعياً في الحملة العسكرية الأميركية بعد استخدامها السابق خلال عملية "الغضب الملحمي" في آذار الماضي.
لم تقتصر رقعة الاشتباكات على الخليج، بل امتدت إلى البحر الأحمر، حيث أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت سفينتين نفطيتين سعوديتين، هما "إنسيليا" و"ليلى"، بعدد من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، مؤكدة إصابة "دقيقة" ونشوب حريق كبير فيهما، ما أجبر نحو عشر سفن أخرى على التراجع والعودة.
وأكدت استمرارها في فرض معادلة "الحصار بالحصار" ضد المملكة، مهددة بأن أي عدوان يستهدف اليمن سيقابل بعمليات كبيرة في العمق السعودي تكون عواقبه "وخيمة".
ونقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أميركيين قلقهم من أن تهديد الحوثيين في باب المندب قد يوسع نطاق الحرب ويرهق الجيش الأميركي، مشيرة إلى أن خمس ناقلات نفط غيّرت مسارها خلال يومين لتجنب المضيق، فيما أرسلت ناقلة أخرى نداء استغاثة بعد تعرضها لهجوم صاروخي.
انعكست هذه التوترات المتصاعدة على الأسواق النفطية مباشرة، إذ قفزت أسعار النفط بأكثر من 1.5% لتسجل أعلى مستوياتها منذ أكثر من ستة أسابيع. وصعدت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2% لتصل إلى 96 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ 8 حزيران، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 1.7% إلى 88.27 دولاراً للبرميل، في ظل مخاوف واسعة من تعطل الإمدادات من مضيق هرمز والبحر الأحمر، وسط توقعات باستمرار الارتفاع في حال استمرار التصعيد.
في المحصلة، وبينما تراهن واشنطن على أن القصف المتواصل وقدراتها التدميرية الهائلة قد تدفع طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية، تبدو إيران مصممة على ردع هذا العدوان عبر استراتيجية تعدد الجبهات، من خلال إغلاق الممرات المائية الحيوية، واستهداف القواعد الأميركية في العمق،و يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تنجح واشنطن في كسر إيران بالقصف، أم أن هذا الجنون العسكري سيفتح أبواباً من الحرب لا يستطيع أحد إغلاقها، وتدفع المنطقة والعالم ثمنها غالياً لسنوات قادمة؟