نبض سوريا - متابعة
كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، للمرة الأولى في كتابه "أريزونا كولانو" الصادر عن دار نشر "يديعوت أحرونوت"، بأن إسرائيل هي الجهة التي وقفت خلف اغتيال العميد محمد سليمان، مستشار الرئيس السوري الأسبق بشار الأسد الأمني والعسكري، وذلك بعد ١٨ عاماً من الغموض الذي أحاط بالعملية، حيث كانت إسرائيل موضع شبهة منذ البداية لكنها التزمت الصمت الرسمي.
وجاء هذا الكشف بعد اعتراف سابق لأولمرت عام 2024 بمسؤولية إسرائيل عن اغتيال القيادي في حزب الله عماد مغنية في دمشق، وتتقاطع رواية أولمرت مع وثائق استخباراتية أمريكية مسربة كشفها إدوارد سنودن عام 2015، والتي أكدت علم وكالة الأمن القومي الأمريكية بمسؤولية إسرائيل عن العملية.
ولد العميد محمد سليمان، في قرية الدريكيش الساحلية قرب الحدود اللبنانية عام 1959، وينتمي للطائفة العلوية، وهو خريج كلية الهندسة الميكانيكية من جامعة دمشق ثم التحق بالكلية الحربية وتخرج برتبة نقيب مهندس من أوائل المتفوقين، وابتعث إلى الاتحاد السوفياتي للحصول على الماجستير والدكتوراه في تطوير سلاح المدفعية.
وبدأ مسيرته كضابط مهندس في الحرس الجمهوري بالكتيبة التي كان يرأسها باسل الأسد شقيق بشار، فأصبح مستشاره الخاص للشؤون العسكرية، وبعد تولي بشار السلطة عام 2000 استقطبه لشدة ذكائه وولائه المطلق فعيّنه مديراً لمكتبه الخاص ومستشاراً أمنياً، وأصبح "رجل الظل" في الحكم وأسندت له كافة ملفات الجيش والأسلحة الإستراتيجية والمشتريات العسكرية، وكان مسؤولاً عن تنسيق العلاقات العسكرية مع طهران وإدارة عمليات نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله عبر الأراضي السورية.
وفي الأول من آب 2008 كان سليمان البالغ من العمر ٤٨ عاماً يتناول العشاء مع ضيوفه على شرفة منزله الصيفي المطل على البحر في منطقة "الرمال الذهبية" قرب طرطوس، حين تسللت قوة من وحدة النخبة البحرية "شاييتت 13" إلى شواطئ طرطوس عبر البحر، واقترب القناصة تحت جنح الظلام لمسافة 150 متراً من جانبي الشرفة وتمكنوا من تحديد هوية سليمان بدقة رغم وجود ضيوف آخرين.
ثم أُطلقت 3 رصاصات أصابت مؤخرة رأسه وعنقه، وبعدها انسحب المنفذون فوراً إلى البحر وتوجهوا نحو القارب الذي كان بانتظارهم دون أن يلحظهم أحد، وقد وصفت وثائق وكالة الأمن القومي الأمريكية المسربة العملية بأنها "أول حالة معروفة لاستهداف إسرائيل مسؤولاً حكومياً سورياً رفيع المستوى".
ويرى محللون أن السبب الرئيسي للاغتيال يعود إلى دور سليمان كمحرك رئيسي للمشروع النووي السوري كما وصفه أولمرت، حيث كان المشرف الفعلي على بناء مفاعل "الكبر" في دير الزور وأحد القلائل في النظام السوري الذين كانوا على علم بوجود المنشأة.
ووصف بالمهندس اللوجستي لعميليات إدخال المعدات والمواد والمسؤول عن الاتصالات السرية مع كوريا الشمالية لإخفاء المنشأة عن العالم، وقد كافأه الأسد بسيارة مرسيدس جديدة قبل شهر من الغارة على المفاعل تقديراً لدوره في بنائه.
وكان الهدف الرئيسي للاغتيال بعد أقل من عام على تدمير إسرائيل لمنشأة دير الزور النووية في غارة جوية عام 2007 هو حرمان دمشق من العقل المدبر القادر على إعادة بناء القدرات النووية.
لكن اغتيال سليمان ليس حادثة منفردة، بل حلقة في سياسة إسرائيلية ممنهجة لاستهداف العلماء والكوادر العلمية السورية، حيث اغتيل الدكتور عزيز أسبر مدير مركز البحوث العلمية في مصياف وهو مركز حساس لتطوير الصواريخ بانفجار عبوة ناسفة في سيارته عام 2026، وقد قالت "نيويورك تايمز" إن الموساد كان يراقبه لسنوات، كما تزامناً مع سقوط النظام في ديسمبر ٢٠٢٤ انتشرت تقارير عن اغتيال العالمة شادية حبال الاختصاصية في علم الميكروبيولوجي وحمدي إسماعيل ندا الكيميائي وعلماء آخرين في معهد البحوث العلمية.
واوضح محللون عسكريون أن إسرائيل تعمل بشكل ممنهج على محو المعرفة العلمية في سوريا الأمر الذي يجعلها دولة تفتقر إلى الإنجازات والأدوات الاستراتيجية، وتكرر في سوريا ما فعلته في العراق بعد 2003 حيث قُتل أكثر من ٥٠٠ عالم عراقي على يد المخابرات الإسرائيلية مشيرين الى أن اغتيال العلماء يأتي ضمن الحرب الكونية المفروضة على سوريا والتي تستهدف أصحاب العقول الفذة، وتسير إسرائيل وفق خطة لتصفية القدرات الكيماوية والتخلص من القدرات التي تعتبرها خطاً أحمر.
وعلى الصعيد القانوني، أكدت خبيرة القانون الدولي ماري إلين أوكونيل أن إسرائيل لم يكن لها أي حق بموجب قوانين الحرب لقتل سليمان لأنه في عام 2008 لم يكن هناك نزاع مسلح بين الطرفين، وتعتبر منظمات حقوقية أي اغتيال خارج إطار قضائي جريمة قتل خارج نطاق القانون وانتهاكاً جسيماً للحق في الحياة.
ما حدث مع محمد سليمان ليس مجرد اغتيال، بل هو إعلان حرب على العقل السوري وسياسة منهجية تستهدف كل من يملك علماً أو قدرة على تطوير القدرات الدفاعية، لإبقاء سوريا في حالة من الضعف العلمي والتكنولوجي، والاعتراف الإسرائيلي بعد 18 عاماً يكشف عن عملية نوعية نفذتها وحدة "شاييتت 13" في قلب طرطوس، ويطرح تساؤلات أكبر حول مصير العلماء والكوادر العلمية في سوريا اليوم
في مقابل هذا الاعتراف الإسرائيلي المدوي، يبقى الصمت هو العنوان الأبرز الصادر عن الحكومة الانتقالية السورية، التي لم تصدر أي بيان أو تعليق رسمي على الاعتراف الإسرائيلي باغتيال أحد أبرز المستشارين العسكريين للنظام السوري السابق وهذا الصمت يثير تساؤلات مشروعة: هل هو تجاهل مقصود لملف يعتبر من "إرث" النظام السابق؟ أم أنه عجز عن تقديم ردّ يليق بجريمة اغتيال نفذتها وحدة كوماندوز إسرائيلية في قلب المياه الإقليمية السورية؟ أم أنه حسابات سياسية دقيقة في مرحلة انتقالية حساسة؟