إدارة بلا مؤسسات.. وقرار بلا معايير: هل هذه هي صورة الحكم الجديد في سوريا؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة   

في غضون أيام قليلة، واجهت وزارتا الصحة والزراعة اعتراضان على قراراتهما الإدارية في مشهد يكشف خللاً مؤسساتياً يتجاوز الحالتين إلى جذع النظام الإداري الجديد.


في درعا، فاجأ وزير الصحة مصعب نزال العلي مدير صحة المحافظة زياد المحاميد بقرار إعفاء من تسيير الأعمال، من دون تعيين بديل، بعدما كان يدير المديرية منذ مطلع 2025.


وبرّر القرار -وفق ما أُبلغ به المحاميد- بحصول مديريته على "ثاني أسوأ تقييم" بين مديريات الصحة، وهو تبرير أثار تساؤلات حادة حول شفافيته ومصداقيته، إذ تساءل المحاميد عن معايير هذا التقييم، وعن كيفية حسابه في ظل ظروف استثنائية تعمل فيها المديرية، من دمار واسع، ونقص حاد في الكوادر، وشح في الإمكانات. فهل احتسب التقييم حجم الدمار أم تجاهله؟ وهل قيس الأداء بمعايير موحدة مع مديريات تعمل في بيئات مختلفة كلياً؟


ولم تقتصر الاعتراضات على المحاميد وحده، بل انضم إليه العاملون في بنك الدم بدرعا الذين وصفوه في بيانهم بأنه "السند الحقيقي والداعم الأساسي" للبنك، مؤكدين أنه سهّل عملهم واستمرار مهمتهم في إنقاذ المرضى والجرحى، واعتبروا إعفاءه خسارة لكفاءة إدارية استثنائية حافظت على الخدمات في أقسى الظروف.


وقبل أيام، شهدت الهيئة العامة للثروة السمكية خلافاً مماثلاً، حين أصدرت وزارة الزراعة قراراً بتكليف مدير جديد للهيئة، فاعترض رئيس الهيئة مستنداً إلى القانون رقم 11 الذي يحصر تعيين المدير العام وإعفاءه بقرار من رئيس الجمهورية، مؤكداً أن الوزارة لا تملك هذه الصلاحية.


لم يقتصر الخلاف على تفسير النص القانوني، بل أثار إشكاليات أعمق: فبينما رأى قانونيون أن الوزارة أصدرت قراراً من جهة غير مختصة، أشار آخرون إلى أن الهيئة أخطأت بدورها عندما واجهت القرار ببيان علني، بدلاً من الطعن به أمام القضاء الإداري، وهكذا، تحول خلاف قانوني إلى مواجهة علنية بين مؤسستين، كل منهما تتبنى قراءة تخدم موقعها، بعيداً عن آليات التصحيح القانونية.


وبحسب محللين مختصين بالشأن القانوني، أوضحوا أن الحالتين، رغم اختلاف موضوعيهما، تشتركان في نسيج واحد: غياب المؤسسية، وتداخل الصلاحيات، وهشاشة المعايير. ففي صحة درعا، يُعفى مدير بناءً على "تقييم" مجهول المصدر والمعايير، في وقت كانت فيه المديرية تعمل في ظروف استثنائية تستدعي تقييماً خاصاً، ما يثير شكوكاً حول وجود دوافع أخرى للقرار، أو حول نية الإدارة العليا في استخدام التقييمات كأداة لإضفاء الشرعية على قرارات غير محايدة.


وأضافوا أما في الثروة السمكية، فالتجاوز على الصلاحيات يفضح إما جهلاً بالقانون، أو تجاهلاً مقصوداً له، في مشهد يعيد إنتاج أسلوب إدارة قديم كان يمارس في ظل النظام السابق: القرار يسبق القانون، ثم يُبحث عن سند له بعد وقوعه.


وبين الحالتين، يترسخ انطباع خطير: الإدارة الجديدة، رغم خطابها عن التغيير، لا تزال تمارس الحكم بمنطق النفوذ لا المؤسسة، وبعقلية التعيينات التي تُمنح وتُسحب بيد واحدة، من دون رقابة أو محاسبة أو معايير واضحة.