بين جدران اليونسكو ولافتات البيتزا: قلعة دمشق تفقد هويتها تحت وطأة "التوظيف" العشوائي

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة  

في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين عراقة التاريخ وطموحات السوق، أثار افتتاح مطعم "أبو دانيال" داخل أسوار قلعة دمشق موجة عارمة من الجدل والنقد، لم تقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل امتدت لتشمل أوساطاً أكاديمية وبحثية متخصصة في الشأن التراثي. فبينما تداولت الصور ومقاطع الفيديو لافتة المطعم وتجهيزاته المتنوعة داخل الموقع الأثري، تصاعدت التساؤلات حول حدود الاستثمار في المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، وعن الجهات التي منحت الموافقات اللازمة، وعن المعايير التي يجب أن تحكم أي تدخل في نسيج أثري يعود تاريخه إلى آلاف السنين.


عندما يصبح الأثر خلفية لوجبات سريعة


جاء افتتاح المطعم ضمن فعاليات "مهرجان صيف سورية" برعاية وزارة الثقافة، وهو ما أضفى على الخطوة طابعاً رسمياً، لكنه في الوقت نفسه زاد من حدة الانتقادات، إذ رأى كثيرون أن الرعاية الرسمية كانت بمثابة شرعية ممنوحة لتوظيف القلعة بطريقة تفتقر إلى الرؤية الثقافية المتكاملة. فقلعة دمشق ليست مجرد حجارة متراكمة، بل هي سجل مفتوح لتاريخ المنطقة، شهدت فتوحات وحروباً وسقوط دول وقيام أخرى، وظلت صامدة في وجه الزمن، لتتحول اليوم إلى مساحة يمكن فيها تعليق لافتة مطعم وبيع البيتزا كما يبيع الباعة في أي شارع تجاري.


آراء ناقدة من أصحاب الاختصاص


لم تكن الانتقادات عاطفية أو غير مدروسة، بل صدرت عن مختصين في الآثار والتراث، قادوا السجال نحو جوهر المشكلة. فالدكتور عجاج سليم، الأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية، أشار إلى المفارقة الكبيرة بين ما يحدث في قلعة دمشق وما يجري في مواقع أثرية عالمية، حيث تمنع سلطات الآثار حتى التصوير بالفلاش حفاظاً على مكوناتها الأثرية، بينما يصل الأمر في حالتنا إلى حفر الجدران لتعليق إعلانات المطاعم. وهو ما يعكس، كما يرى سليم، غياب الوعي بقيمة التراث، واستهانة واضحة بقدسية المكان التاريخي.


أما الدكتور عبد الرزاق معاذ، الباحث في الآثار، فقدم موقفاً أكثر دقة وتفصيلاً، إذ أوضح أنه ليس ضد فكرة توظيف القلعة، وأنه سبق أن دعا إلى إجراء "استدراج عروض فني" لتوظيفها ثقافياً واجتماعياً بطريقة مدروسة، لكنه رأى في ما جرى داخل القلعة تجاوزات واضحة أساءت إلى مبنى أثري يشكل جزءاً لا يتجزأ من المدينة التاريخية المدرجة على قائمة اليونسكو. ولم يكتفِ معاذ بذلك، بل تجاوزه إلى انتقاد تغييرات طالت مواقع حساسة في مديرية الآثار، معتبراً أن بعض القرارات أضعفت الخبرات المتخصصة في ملفات الهندسة والترميم والمباني التاريخية، وداعياً إلى تعزيز استقلالية مديرية الآثار وإسناد الملفات المتعلقة بالتراث إلى أصحاب الخبرة والاختصاص.


بين السخرية والأسئلة الجوهرية


لم يخلُ المشهد من نبرة ساخرة، إذ عبر الصحفي خالد معماري عن صدمته قائلاً إنه عندما رأى الصورة للمرة الأولى اعتقد أنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي، قبل أن يكتشف حقيقتها. واستحضر معماري تاريخ القلعة الذي تعاقبت عليه مراحل تاريخية ارتبطت بالسلاجقة ونور الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي والمغول وتيمورلنك والعثمانيين، معلقاً ساخراً على وصول مطعم "أبو دانيال" إليها وبيع البيتزا داخلها، في مشهد يضع تاريخاً عريقاً بمواجهة وجبات سريعة.


لكن السخرية، وإن كانت تعبر عن الاستغراب والصدمة، لا ينبغي أن تغطي على الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الحدث: هل يجري توظيف القلعة لخدمة الثقافة والسياحة، أم يجري توظيف قيمتها التاريخية لخدمة النشاط التجاري؟ الفرق بين المسألتين كبير، فالأولى تعني أن الموقع الأثري هو الأصل والفعاليات هي التابع الذي يخدمه، والثانية تعني أن الموقع الأثري أصبح مجرد أداة للترويج التجاري.


إشكاليات الترخيص والشفافية


أحد الجوانب الأكثر إثارة للقلق في هذه القضية هو غياب الشفافية حول الجهة التي منحت الموافقة على إقامة المطعم داخل القلعة، وطبيعة التراخيص والشروط التي رافقت التجهيز. فهذه التساؤلات لم تجد إجابات واضحة من الجهات المعنية، مما يعزز الانطباع بأن القرارات تتخذ دون الرجوع إلى معايير علمية واضحة، ودون إشراك المختصين في تقييم مدى ملاءمة النشاط للموقع الأثري.


وتتضاعف خطورة هذا الغياب للشفافية حين نتذكر أن قلعة دمشق ليست مجرد موقع أثري عادي، بل هي جزء من المدينة التاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ما يعني أن أي تدخل فيها يجب أن يخضع لمعايير دولية صارمة، وأن يكون معروفاً على نطاق واسع، لكي لا يكون مصدراً للإحراج على المستوى الدولي.


بين الفعالية الثقافية والاستثمار التجاري


من المهم الاعتراف بأن إقامة فعاليات ثقافية أو سياحية داخل المواقع الأثرية ليست مرفوضة بحد ذاتها، بل يمكن أن تشكل وسيلة فعالة لتعريف الجمهور بتراثه، وتنشيط السياحة، وإحياء العلاقة بين الناس وتاريخهم، لكن ذلك يفترض وجود ضوابط واضحة تضمن عدم الإضرار بالمبنى، وعدم تغيير هويته البصرية والتاريخية، وعدم تحويل الفعالية الثقافية إلى غطاء تسويقي لنشاط تجاري بحت.


المشكلة، كما يراها كثير من المنتقدين، ليست في مطعم "أبو دانيال" بحد ذاته، بل في السؤال الأوسع: هل توجد استراتيجية واضحة لتوظيف المواقع الأثرية في سورية، أم أن الأمور تجري وفق اجتهادات فردية وقرارات آنية تفتقر إلى الرؤية المتكاملة؟ وهل تم الاستناد إلى دراسات أثرية وهندسية دقيقة قبل الموافقة على إقامة المطعم، أم أن القرار جاء على عجل، تحت ضغط الفعاليات والمهرجانات؟


بين الصيانة والتوظيف


قلعة دمشق ليست مجرد مساحة مادية يمكن تعليق لافتة عليها، بل هي جزء من ذاكرة المدينة وتاريخها، وهي رمز لصمود الحضارة في وجه تقلبات الزمن ،ولذلك، فإن أي استثمار فيها يحتاج إلى شفافية كاملة حول الجهة التي وافقت عليه، وطبيعة الترخيص، والمعايير التي وضعت لحماية الموقع. كما أنه يحتاج إلى رؤية ثقافية واضحة تضع الأثر في المقام الأول، وتجعل النشاط التجاري وسيلة لخدمته، لا العكس.


وفي النهاية، تبقى قلعة دمشق شامخة بجدرانها التي شهدت قروناً من التاريخ، لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً: هل ستظل هذه الجدران تحكي قصص البطولة والأمجاد، أم ستصبح مجرد خلفية لوجبات سريعة وفضائح تبريراتها أحياناً أشد وطأة من الفعل نفسه؟