القنيطرة… سجنٌ سريّ لمن اختفوا في سوريا

  • A+
  • A-

نبض سوريا - تحقيق خاص 

تحوّلت محافظة القنيطرة، وفق شهادات وثّقتها منصة «نبض سوريا»، إلى وجهة يُنقل إليها عدد من المعتقلين والمختفين قسراً من مناطق سورية مختلفة، بعيداً عن رقابة القضاء وعن معرفة عائلاتهم بمصيرهم أو أماكن احتجازهم.


ولحماية الشهود وعائلاتهم من أي أعمال انتقامية، استخدم التحقيق أسماءً مستعارة، وحجب التفاصيل التي قد تكشف هوياتهم.


يروي «سامر»، وهو اسم مستعار لأحد المعتقلين السابقين، أنه احتُجز داخل سجن تابع للأمن السياسي في القنيطرة، يصفه الناجون بـ«المسلخ البشري»، نظراً إلى ما يقولون إنهم تعرضوا له من تعذيب جسدي ونفسي ومعاملة حاطة بالكرامة الإنسانية.


وتتقاطع شهادات عدة في توجيه اتهامات إلى شخص يُعرف بلقب «البتّار»، قال الشهود إنه أحد قيادات «هيئة تحرير الشام» ويتولى الإشراف على السجن أو يمارس نفوذاً مباشراً داخله. ولم تتمكن «نبض سوريا» من الحصول على رد رسمي منه أو من الجهة المسيطرة على مكان الاحتجاز بشأن هذه الاتهامات حتى لحظة إعداد التحقيق.


يقول «محمود»، وهو معتقل سابق، إن المحتجزين تعرضوا للضرب والإهانات المتواصلة، وإن بعض السجانين كانوا يتبولون عليهم بهدف إذلالهم وكسر إرادتهم. كما تحدث ناجون آخرون عن اعتداءات جنسية وممارسات تنتهك بصورة جسيمة الكرامة الإنسانية، وسط تهديدات بالقتل أو بإيذاء أفراد عائلاتهم إذا تحدثوا عمّا جرى داخل السجن.


أما أخطر ما ورد في الشهادات، فهو ما رواه «خالد» عن إجبار بعض المعتقلين على الظهور في تسجيلات مصورة ضمن أوضاع مخلة بالآداب، ثم استخدام تلك التسجيلات لابتزازهم وإكراههم على تقديم اعترافات جاهزة أو التوقيع على إفادات لا يعرفون مضمونها.


ويضيف الشاهد أن الاعترافات لم تكن تُنتزع فقط تحت التعذيب المباشر، بل من خلال التهديد بنشر التسجيلات وتشويه سمعة المعتقل وعائلته، في محاولة لتحويل العار الاجتماعي إلى أداة تعذيب وضغط نفسي.


وتشير الشهادات التي جمعتها «نبض سوريا» إلى نمط متكرر من الانتهاكات، يبدأ بالاعتقال من دون مذكرة قضائية، ثم الإخفاء القسري وقطع الاتصال بالعائلة، وصولاً إلى التعذيب والابتزاز وانتزاع الاعترافات بالإكراه. وتثير هذه المعطيات مخاوف جدية من وجود منظومة احتجاز سرية تعمل خارج أي رقابة قضائية أو حقوقية مستقلة.


ولا تجزم «نبض سوريا» بصحة كل التفاصيل بصورة نهائية، لكنها تؤكد أن تقاطع روايات الشهود، رغم عدم معرفتهم ببعضهم، يستوجب فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف، والكشف الفوري عن جميع أماكن الاحتجاز في القنيطرة، وتمكين المنظمات الحقوقية من دخولها من دون قيود.


كما تطالب المنصة بالكشف عن مصير المختفين قسراً، وإطلاق سراح المحتجزين تعسفياً، وضمان حماية الناجين والشهود وعائلاتهم، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التعذيب أو الاعتداءات الجنسية أو تصوير المعتقلين وابتزازهم، بغض النظر عن صفته أو موقعه.


ما وثقناه ليس مجرد روايات عن تجاوزات فردية؛ بل مؤشرات خطيرة إلى أن القنيطرة قد تحولت إلى سجن كبير يُخفى داخله بعض من اختفوا في سوريا، بينما لا تزال عائلاتهم تبحث عن خبر، أو اتصال، أو دليل يثبت أنهم ما زالوا على قيد الحياة.