نبض سوريا - خاص
المواجهة التي حدثت في الأجواء السورية بين طائرات F-35I الإسرائيلية وطائرات F-16 التركية لم تكن مجرد مناورة إلكترونية خالصة، بل كانت اشتباكاً مزدوجاً بدأ بضربات جوية دقيقة نفذتها طائرات الشبح الإسرائيلية على مخابئ القوات الخاصة التركية ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للمخابرات التركية في ريف دمشق، تلاه تشويش إلكتروني تركي منع إسرائيل من استكمال المهمة.
ما جرى تسريبه خلال الساعات الماضية يكشف أن حصيلة الضربات الإسرائيلية الأولى بلغت نحو 120 عنصراً من القوات الخاصة التركية، بينهم ضباط استخبارات ومسؤولو ارتباط كانوا يديرون عمليات الجيش السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع، وهو رقم لم تعلنه أنقرة رسمياً حتى الآن تجنباً للإحراج، لكن مصادر مطلعة تؤكد أن الخسائر كانت كبيرة ومؤثرة.
قبل أيام، رصدت الاستخبارات الإسرائيلية تحركات غير معتادة للقوات التركية في ضواحي دمشق، حيث تجاوز حجم الوجود التركي بكثير ما تسمح به التفاهمات غير المعلنة مع واشنطن.
هذه القوات، التي كانت تدير وحدات الجيش السوري الجديد وتشرف على عمليات القيادة والسيطرة، أصبحت هدفاً رئيسياً في "بنك الأهداف المفتوح" الإسرائيلي، وهو تصنيف عسكري يعني أن ضربها لا يحتاج إلى موافقات مسبقة.
انطلقت طائرات F-35I لتنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مخابئ هذه القوات بالقرب من دمشق، ونجحت في الموجة الأولى من الهجوم في القضاء على عدد كبير من العناصر التركية، قبل أن تتدخل طائرات F-16 التركية المجهزة بأنظمة تشويش Özgün وتطلق تشويشاً إلكترونياً كثيفاً حال دون وصول الطائرات الإسرائيلية إلى بقية الأهداف، وأجبرها على العودة أدراجها دون إكمال المهمة.
جاءت هذه الضربات الإسرائيلية كرد فعل على تطورين ميدانيين متزامنين الأول، هو تفكيك القوات الكردية في سوريا ودمجها ضمن قوات "الشرع" الجديدة، وهو ما اعتبرته إسرائيل خسارة استراتيجية لورقة كانت تراهن عليها في موازنة النفوذ داخل سوريا و الثاني، هو تزايد الوجود التركي الميداني في العاصمة السورية، حيث أصبحت القوات الخاصة التركية تدير عمليات القيادة والسيطرة للجيش السوري الجديد، وهو ما وضع إسرائيل أمام واقع جديد لم تستعد له.
الضربات التي نفذتها F-35I كانت موجعة للجانب التركي، حيث استهدفت مراكز القيادة والسيطرة التي يديرها ضباط المخابرات التركية، والذين كانوا يشرفون على تشكيل وحدات الجيش السوري الجديد وتنسيق عملياتها الميدانية.
في المقابل، تحركت تركيا بحزم لحماية ما تبقى من قواتها حيث لم تقتصر استجابة أنقرة على التشويش الإلكتروني فقط، بل شملت تسيير طائرات F-16 في رحلات استطلاع واستعراض فوق دمشق، وإطلاق هجمات إلكترونية معاكسة استهدفت أنظمة الملاحة والاستهداف الإسرائيلية.
لكن الحقيقة التي تتجاهلها الرواية التركية الرسمية هي أن التشويش جاء بعد فوات الأوان بالنسبة للعدد الأكبر من القوات المستهدفة، حيث كانت الضربات الإسرائيلية الأولى قد حققت إصابات دقيقة وقضت على نحو 120 عنصراً، وهو ما يفسر صمت أنقرة الرسمي عن الخسائر حتى الآن.
هذا التحرك التركي، رغم تأخره، حمل رسالة سياسية واضحة بأن تركيا لن تسمح بتوجيه المزيد من الضربات لقواتها في العمق السوري، حتى لو كانت تلك الضربات من طرف إسرائيلي، وأن حماية الحكومة السورية الجديدة التي وقعت اتفاقية دفاعية مع أنقرة أصبحت جزءاً من الردع التركي في المنطقة، لكنه لم يمحِ حقيقة الخسائر الفادحة التي منيت بها القوات الخاصة التركية في الموجة الأولى من الهجوم.
الأكثر أهمية في هذه المواجهة هو التسلسل الزمني للأحداث فالضربات الإسرائيلية الناجحة في الموجة الأولى، ثم التشويش التركي الذي منع اكتمال المهمة، يعكسان واقعاً مزدوجاً: إسرائيل أثبتت قدرتها على اختراق الحماية التركية وإصابة أهدافها بدقة، لكنها في الوقت نفسه واجهت قدرة تركية على منعها من تعزيز تلك الإصابات أو توسيع نطاق الضربات.
هذا المشهد يختلف عن التصورات السائدة بأن إسرائيل فشلت تماماً في مهمتها، فالحقيقة الأكثر دقة هي أن إسرائيل حققت إصابات مؤكدة في الموقع المستهدف، لكن التشويش التركي حال دون استكمال العملية، مما جعل النتيجة مختلطة: إسرائيل قتلت العدد الأكبر من القوات التركية، لكنها لم تتمكن من تدمير الموقع بالكامل أو تأمين المنطقة.
على مستوى الأداء الميداني، أثبتت المواجهة أن طائرات F-16 التركية المجهزة بأنظمة Özgün قادرة على خلق منطقة حظر جوي إلكتروني فوق دمشق، حالت دون وصول الطائرات الإسرائيلية إلى بقية أهدافها، في وقت كانت فيه فلول القوات الخاصة التركية تدير عملياتها المتبقية بالتنسيق مع الجيش السوري الجديد في الريف الغربي وانطلاقاً من جبل الشيخ.
لكن القوات التركية التي نجت من الضربات الإسرائيلية لم تعد تملك نفس القدرة التشغيلية التي كانت عليها قبل الهجوم، بعدما فقدت نحو 120 من أفرادها وضباطها، وهي خسارة ستؤثر على قدرتها في إدارة العمليات الميدانية خلال الفترة القادمة.
في الخلفية، كانت الولايات المتحدة تجري اتصالات مكثفة مع الطرفين بهدف منع التصعيد، لكن هذه الاتصالات لم تمنع استمرار الاشتباك الإلكتروني بعد الضربات الأولى.
إسرائيل حاولت فتح جبهة بديلة بإغراء نقل المواجهة إلى الأجواء اليونانية، مستغلة التوتر التركي اليوناني، لكن أنقرة ردت بتسيير مسيرة في أثينا وإرسال طائرات F-16 إضافية نحو دمشق، في إشارة واضحة بأنها مستعدة للرد على عدة جبهات، رغم حجم الخسائر التي تكبدتها في الضربات الأولى التي لم تعلن عنها رسمياً.
على الصعيد السياسي، كشفت المواجهة عن تباين داخلي في الموقف السوري الجديد، فبينما يسعى أحمد الشرع للتعاون مع تركيا دون إبعاد روسيا في مواجهة إسرائيل، يرى وزير خارجيته أن التفاهمات الأمريكية الإسرائيلية هي العنصر الأهم في أي تسوية مستقبلية، هذا التباين يعكس تبعية الموقف السوري في المرحلة الحالية، حيث تسعى دمشق لإرضاء القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على النفوذ في سوريا، خصوصاً بعد أن فقدت جزءاً من داعميها الأتراك في الضربات الإسرائيلية الأخيرة.
النتيجة النهائية لهذه المواجهة تظهر بوضوح أن التشويش التركي نجح في وقف الضربات الإسرائيلية ومنعها من استكمال المهمة، لكنه لم يمنع الخسائر الفادحة التي تكبدتها القوات الخاصة التركية في الموجة الأولى، حيث بلغ عدد القتلى نحو 120 عنصراً بينهم ضباط استخبارات ومسؤولو قيادة وسيطرة.
هذا الإنجاز الإسرائيلي الجزئي، رغم إعاقته بالتشويش، يظهر أن إسرائيل ما زالت قادرة على توجيه ضربات موجعة للوجود التركي في سوريا، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحدياً إلكترونياً جديداً يحد من قدرتها على تحقيق أهدافها الكاملة.
في المحصلة، ما حدث في سماء دمشق كان اختباراً حقيقياً لحرب المستقبل، حيث تحسم المواجهات عبر مزيج من الضربات الدقيقة والتشويش الإلكتروني، إسرائيل أثبتت قدرتها على إصابة الأهداف بدقة في الموجة الأولى، بينما أثبتت تركيا قدرتها على منع استكمال تلك الضربات عبر التشويش، لكن ثمن ذلك كان خسارة 120 عنصراً من نخبة قواتها الخاصة، وهو رقم يضع أنقرة أمام تساؤلات صعبة حول جدوى استمرار هذا الوجود المكشوف في العمق السوري، وفي الوقت نفسه يضع إسرائيل أمام تحدٍ جديد يتمثل في كيفية التعامل مع حرب إلكترونية تركية متطورة قد تعيق عملياتها المستقبلية.