نبض سوريا - متابعة
وصل رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق في أول زيارة لرئيس حكومة عراقي منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، والتقى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بحضور وفد وزاري موسّع، من دون إعلان اتفاقيات موقّعة حتى الآن. بيد أن التوقيت، وتركيبة الوفد، والملفات المطروحة، تتجاوز بكثير بروتوكول تعزيز العلاقات الثنائية؛ فهي تنقل العلاقة بين بغداد ودمشق من مرحلة الحذر السياسي إلى مرحلة اختبار المصالح الاستراتيجية، وفي مقدمتها أمن الحدود والطاقة والنفوذ الإقليمي.
وتندرج الزيارة ضمن تحرك إقليمي عراقي شمل السعودية والأردن، وهو ما يقدّم مفتاحاً لفهم اتجاه بغداد نحو تنويع علاقاتها العربية وتعزيز هامش حركتها الإقليمية.
ما الذي يجري خلف العناوين الرسمية؟
بغداد تبحث عن ممر بديل لنفطها اي إعادة إحياء خط كركوك–بانياس أو تطوير مسارات بديلة للتصدير هي ليست مجرد صفقة اقتصادية، بل محاولة عراقية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتوفير منفذ إلى المتوسط، ويزداد هذا الخيار إلحاحاً في ظل اضطرابات الملاحة الإقليمية.
وهذا الاحتياج النفطي يقابله احتياج سوري مكمّل فدمشق تريد تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي فهي تحتاج إلى استثمارات وعائدات لإعادة تأهيل بنيتها التحتية، بينما يحتاج العراق إلى ممرات تصدير أكثر تنوعاً، وإذا تحولت التفاهمات النفطية إلى عقود وتمويل وتنفيذ، فستمتلك دمشق ورقة اقتصادية مهمة في علاقتها ببغداد.
لكن أي مشروع نفطي أو تجاري لا يحمي نفسه بنفسه، فالأمن شرط الصفقة وليس ملفاً منفصلاً: أمن الحدود، ومنع التسلل والتهريب، وملاحقة خلايا تنظيم داعش، كلها شروط لحماية أي مشروع نفطي وتجاري، وتشير التقارير إلى أن بغداد تدرس استكمال أجزاء من الحاجز الحدودي على الجانب السوري، مع بحث ترتيبات لحماية المصالح العراقية.
البعد الاستخباراتي: ماذا تريد بغداد أن تختبر؟
إذا كان الأمن شرط الصفقة، فإن السؤال الأول الذي تحمله بغداد إلى دمشق يتعلق بـموثوقية السلطة السورية نفسها: هل تستطيع تقديم ضمانات أمنية قابلة للتحقق، أم أن التعهدات السياسية ستبقى أكبر من قدرتها التنفيذية؟
وموثوقية الضمانات تُقاس أولاً بقدرة الدولة على ضبط السلاح، فدعم الشرع لجهود حصر السلاح بيد الدولة العراقية يتقاطع مع مصلحة بغداد في تقوية المؤسسات الرسمية وتقليص مخاطر تعدد مراكز القرار المسلح، لكن ذلك لا يثبت وجود اتفاق سري لاستهداف فصائل بعينها.
وضبط السلاح يفتح بالضرورة ملف إعادة دراسة ملفات السوريين المشتبه بارتباطهم بداعش والتي قد تخفف العبء عن بغداد، لكنها تنطوي على مخاطر أمنية وقضائية إذا لم تُنفّذ وفق تصنيف دقيق وضمانات واضحة.
وكل هذه الاختبارات الثنائية تجري في سياق إقليمي أوسع، فتحرك الزيدي بين السعودية والأردن وسوريا يوحي برغبة في توسيع شبكة العلاقات العربية للعراق، لكنه لا يكفي وحده للقول إن بغداد تتجه إلى فك ارتباطها بإيران أو الانضمام إلى محور إقليمي مضاد لها.
أين تقع إيران في حسابات الزيارة؟
لا يمكن فصل التقارب العراقي السوري عن النفوذ الإيراني في العراق، لكن من الخطأ تفسير الزيارة باعتبارها مواجهة مباشرة مع طهران من دون أدلة إضافية، والتفسير الأكثر اتساقاً مع الخطاب الرسمي المعلن هو أن بغداد تسعى إلى تنويع خياراتها: توسيع علاقاتها العربية وتأمين طرق بديلة للطاقة والتجارة، مع الإبقاء على علاقاتها القائمة.
غير أن التنويع نفسه قد يعيد تشكيل التوازنات، فالتعاون مع دمشق قد يمنح بغداد مساحة أوسع في إدارة ملفات الحدود والسلاح والطاقة، بما يقلل اعتمادها على أطراف إقليمية أخرى، من دون أن يعني ذلك تراجع النفوذ الإيراني فعلياً.
وإذا كان هذا الاحتمال يخص العراق، فإن ثمة احتمالاً أوسع يتعلق بالمنطقة بأكملها فقد يندرج التعاون الاقتصادي والأمني ضمن مناخ إقليمي ودولي يشجع استقرار سوريا والعراق، غير أن وجود دعم أميركي لوجستي محتمل لبعض الترتيبات الأمنية لا يثبت أن الزيارة نفسها جزء من خطة أميركية متكاملة.
ما الذي تكشفه الزيارة عن مستقبل سوريا؟
فإذا انتقلنا من الحسابات العراقية إلى الحسابات السورية، تتغيّر زاوية النظر، بالنسبة إلى دمشق، لا تقتصر أهمية الزيارة على العلاقات مع العراق، فنجاح التعاون النفطي والتجاري قد يفتح الباب أمام استثمارات إضافية، ويمنح الحكومة السورية فرصة لإظهار قدرتها على بناء علاقات عملية مع دولة عربية محورية.
لكن هذه الفرصة تصطدم باختبار القدرة التنفيذية فالسؤال الأصعب: هل تستطيع دمشق تحويل الجغرافيا إلى مكاسب اقتصادية فعلية؟ إعادة تشغيل خط نفطي قديم تحتاج إلى تقييم فني، وتمويل كبير، واتفاقات تشغيل وتأمين، وجدول زمني واضح.
لذلك لا ينبغي التعامل مع الحديث عن طاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً — وهو رقم يُتداول في تقديرات خبراء النفط كسقف نظري لخط كركوك–بانياس، لا كقدرة متاحة اليوم — باعتباره واقعاً حالياً؛ فهو هدف مطروح ضمن خيارات تطوير البنية التحتية.
وبعد هذه الاختبارات المتقاطعة، يبقى الحكم الأكثر دقة أن الزيارة اختبار متبادل للمصالح والقدرات أكثر منها إعلاناً عن تحالف مكتمل، فبغداد تريد منفذاً نفطياً إضافياً، وحدوداً أكثر أمناً، وشريكاً سورياً قادراً على تنفيذ التفاهمات؛ ودمشق تريد استثمارات وشرعية إقليمية أوسع، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مورد اقتصادي واستراتيجي.
لكن الرهان الأبعد يتجاوز المصالح المباشرة إلى توازنات النفوذ، فالسؤال هو ما إذا كان التعاون الاقتصادي سيؤدي تدريجياً إلى إعادة تشكيل توازنات القوى في المشرق، وحتى الآن، تدعم الأدلة المتاحة فرضية تنويع الخيارات وتعزيز المصالح المتبادلة أكثر مما تدعم فرضية وجود تحالف سري أو اصطفاف نهائي ضد طرف إقليمي محدد.
ومهما كانت القراءات، فإن المعيار الحاسم لن يكون في التقاط الصور والتصريحات، بل ما سيظهر خلال الأشهر المقبلة من عقود نفطية، وترتيبات أمنية قابلة للتحقق، ونتائج ملموسة على الأرض.