لماذا أزيل الكواكبي ؟
حفيد المفكر عبد الرحمن الكواكبي :لماذا تخشى السلطة أفكار الرجل الذي رحل قبل قرن؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -  متابعة 

كتب سلام الكواكبي، حفيد المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي، على خلفية تداول أخبار عن حذف اسم جدّه من مناهج التاريخ في المدارس السورية، ضمن تعديلات طالت صورًا ونصوصًا في كتب التاريخ والعلوم الاجتماعية.


 ويروي سلام الكواكبي كيف صدمه الخبر، ثم كيف وجد نفسه أمام سؤال أكبر من حذف اسم من صفحة مدرسية: لماذا يُحذف عبد الرحمن الكواكبي؟ وما الذي يجعل أفكاره، بعد أكثر من قرن على رحيله، مصدر إزعاج إلى هذا الحد؟ ويوضح أنه لا يكتب دفاعًا عن جدّه بدافع القرابة فحسب، بل لأن أفكار الكواكبي جزء من الذاكرة الفكرية السورية والعربية، ولأن حذف المفكرين من المناهج يطرح سؤالًا أوسع عن حرية التفكير وبناء المواطنة.


عبد الرحمن الكواكبي مفكر وكاتب سوري من أعلام عصر النهضة العربية، وُلد في حلب عام 1854، درس الشريعة والأدب وعلوم الطبيعة والرياضيات، وعمل في الصحافة، ثم هاجر إلى مصر بعد تضييق السلطات العثمانية عليه .اشتهر بكتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، الذي يُعد من أهم كتب النهضة في نقد الاستبداد السياسي، وله أيضًا «أم القرى» و«العظمة لله» و«صحائف قريش». توفي في القاهرة عام 1902.


يبدأ سلام الكواكبي بالحديث عن تردده قبل الكتابة، ثم عن صدمته بالخبر الذي تناقلته وسائل التواصل، بينما غاب عن الإعلام الرسمي، حول تعديلات طالت مناهج التاريخ والعلوم الاجتماعية، لم يرَ فيها مجرد مسألة تربوية، بل مؤشرًا إلى عقلية تريد إعادة تشكيل الوعي عبر محو بعض الصور وتغييرها، وإعادة تقديم التاريخ وفق تصور ضيق.


واشار إلى أمثلة أثارت الاستغراب، مثل حجب شعور نساء في صور، وإضافة أغطية إلى تماثيل فرعونية موضحا أن المشكلة ليست في الحجاب كخيار شخصي، بل في العقلية التي لا تتقبل صورة امرأة غير محجبة في كتاب، ولا تمثالًا فرعونيًا إلا بعد تعديله وفق مقاييس الحاضر. ويتساءل: أي رسالة يتلقاها طفل سوري حين يكتشف أن الحقيقة ليست ما يراه، بل ما يُسمح له بأن يراه؟ فالمدرسة، كما يقول، ليست لتلقين المعلومات فقط، بل لتشكيل وعي المواطن، وإذا تحولت المناهج إلى أداة لفرض تصور واحد، فإننا أمام محاولة لإنتاج جيل يتعلم الامتثال قبل التفكير.


ثم ينتقل إلى المفاجأة الشخصية: صورة لصفحة من كتاب التاريخ للصف الثامن كانت تعرّف بعبد الرحمن الكواكبي وأفكاره ومؤلفاته، وقد حُذف هذا التعريف في المنهج الجديد ،لم يكن الأمر مجرد حذف اسم، بل استدعاء لسؤال: لماذا يُحذف الكواكبي؟ وما الذي يجعل أفكاره بعد أكثر من قرن مصدر إزعاج؟


ويعرف سلام الكواكبي أنه سيقول بعضهم إنه يدافع عن جدّه بدافع القرابة، لكنه يسأل: لو لم يكن حفيده، فهل كان حذف اسمه من كتاب التاريخ أمرًا عاديًا لا يستحق النقاش؟ فالقرابة قد تزيد الألم، لكنها لا تلغي حق أي مواطن في الاعتراض على حذف شخصية فكرية من الذاكرة العامة.


ويذكر أن جدّه لاحقته روايات غريبة، منها ادعاء أحد أساتذة جامعة حلب أنه كان عميلًا إيطاليًا ونُقل على بارجة حربية إيطالية. ويؤكد أن نقد الاستبداد لم يكن دليلًا على العمالة، ولو كان كل معارض سلطة عميلًا لجهة أجنبية لما بقي مفكر عربي يمكن الاحتفاء به.


واوضح أن الكواكبي انشغل بالعلاقة بين السلطة وحرية الإنسان، وبأسباب تراجع المجتمعات، وبضرورة تحرير العقل من الخوف والخضوع. وفي «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» لم يقدم وصفات جاهزة، بل حاول أن يفهم لماذا يستسلم الناس للاستبداد، وكيف تسهم الخرافة والخوف والتجهيل في إدامته. لذلك لا يمكن فصل حذف اسمه من المناهج عن طبيعة الأفكار التي يمثلها.


وشدد على أن المطلوب ليس تقديس الكواكبي، فمن حق الباحثين مناقشته وانتقاده، لكن ثمة فرقًا بين النقد والحذف، وبين الاختلاف الفكري وإخراج شخصية من الذاكرة المشتركة. فالتعليم الذي يخشى مناقشة الأفكار لا يصنع عقلًا نقديًا، بل يدرّب التلاميذ على ترديد الإجابات التي تريدها السلطة.


ورأى أن سوريا اليوم، وهي تحتاج إلى إعادة بناء مجتمعها ومؤسساتها، لا تحتاج إلى تضييق مساحة التفكير بل إلى توسيعها، ولا إلى جيل يخاف من صورة في كتاب أو اسم في درس تاريخ، بل إلى جيل قادر على طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار ،وبناء سوريا الجديدة لا يبدأ بحذف هذا المفكر أو ذاك، بل بالاعتراف بأن المجتمع السوري أكثر تنوعًا من أن يُختزل في تصور واحد، وأن تاريخه ملك لجميع أبنائه.


ويذكر أنه بعد يومين من المفترض أن يلقي محاضرة في المكتبة الوطنية في حلب، ويتمنى ألا تُلغى لأن اسمه الكواكبي. فمجرد احتمال ذلك يكفي لطرح السؤال: هل أصبح اسم مفكر سوري قضى حياته في مواجهة الاستبداد سببًا للتوجس؟


ويختم بأنه لن يدافع عن الكواكبي لأنه جده فحسب، بل لأن أفكاره جزء من تاريخنا الفكري، ولأن من حق السوريين أن يعرفوا تاريخهم كما كان، لا كما يريد له أحد أن يكون .


واضاف إذا كان اسمه يثير كل هذا القلق، فالمشكلة ليست في الكواكبي، بل فيمن يخشون الأسئلة التي طرحها: أن الاستبداد ليس قدرًا، وأن الحرية ليست منحة من حاكم، وأن إصلاح المجتمع يبدأ بتحرير العقل فالأفكار التي تستحق البقاء لا تموت بحذفها من المناهج، ومحاولة إسكاتها قد تكون أفضل دليل على أنها ما زالت حيّة.