من قمة الجبل إلى حوض النهر..
حصن نتنياهو يعيد تشكيل جغرافية الجنوب السوري

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

في لحظة وُصفت بالتاريخية، الإعلان عن مشروع يُعد الأكثر طموحاً منذ عقود، يقضي بإقامة حصن استراتيجي يمتد من قمة جبل الشيخ إلى حوض نهر اليرموك، بهدف إعادة رسم الخريطة الأمنية لجنوب سوريا بشكل دائم.


هذا الإعلان، الذي وقف خلفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام كاميرات التلفزيون، كشف عن تحول جيوسياسي كبرى في الشرق الأوسط، تزامن مع المرحلة التي أعقبت التغيرات في المشهد السوري.


ويتضمن المشروع، وفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية، إنشاء ثلاث مناطق أمنية متقدمة خارج حدود إسرائيل، تشمل قطاع غزة ولبنان، إضافة إلى مساحة تمتد من قمة جبل الحرمون حتى نهر اليرموك في العمق السوري.


 هذه المنطقة الأخيرة ليست مجرد تحصينات دفاعية، بل مشروع هندسي وعسكري يعكس استراتيجية طويلة الأجل لترسيخ ما تصفه إسرائيل بالعمق الأمني في الجنوب السوري.


وتمتد هذه المنطقة العازلة الموسعة من قمة جبل الشيخ وسفوحه السورية، مروراً بمعظم محافظة القنيطرة، وصولاً إلى شريط في الريف الغربي لدرعا يشمل حوض اليرموك الخصيب، إلى جانب توسعات داخلية تضم قرى وبلدات عدة شهدت عمليات اجتثاث واسعة للأراضي الزراعية.


وتتجاوز هذه السيطرة المساحة المفروزة الأصلية بعمق كيلومترات عدة، مع مجال نفوذ استخباري يمتد لعشرات الكيلومترات، حيث تخضع المنطقة لسيطرة عسكرية كاملة تشمل دوريات مدرعة وغارات محدودة.


ومنذ أواخر العام الماضي، تحولت تلك المنطقة إلى ورشة هندسية ضخمة، إذ أقام الجيش الإسرائيلي عشرات القواعد العسكرية الدائمة، إلى جانب نقاط مراقبة ومراكز خدمة، مع توسعات حديثة شملت إدخال غرف جاهزة وإقامة حواجز ونقاط تفتيش.


 وتظهر صور الأقمار الاصطناعية خنادق عميقة، ومصدات ترابية، وأبراج مراقبة مزودة بأنظمة إلكترونية، إلى جانب حقول ألغام وطرق جديدة تربط القواعد. وتهدف هذه الأعمال، التي رصدت لها ميزانيات ضخمة، إلى تحويل المنطقة إلى عمق استراتيجي يمنع أي تسلل أو تهديد، وفقاً لتصريحات نتنياهو الذي أكد أن الوجود العسكري سيستمر لفترة غير محدودة.


وتُعتبر المنطقة العازلة أداة مركزية لفرض تجريد كامل من السلاح على جنوب سوريا، إذ يطالب نتنياهو بمنطقة خالية من القوات السورية أو أي ميليشيات معادية تمتد من دمشق جنوباً حتى جبل الشيخ، وهو مطلب يُنفذ فعلياً على الأرض عبر مئات التوغلات البرية، وغارات جوية، واعتقالات ميدانية، مع منع السكان المحليين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية. ويرى مراقبون أن هذا النموذج، الذي يصفه الإعلام الإسرائيلي بحلقة المناطق العازلة، يهدف إلى تغيير وجه المنطقة.


ورغم وتيرة التقدم الهندسي، يظل الوضع متقلباً، إذ ترفض إسرائيل أي انسحاب قبل إزالة كل التهديدات. وتشير المعطيات إلى أن هذه المنطقة العازلة ليست مجرد خط دفاعي عابر، بل تجسيد لاستراتيجية نتنياهو في بناء عمق أمني دائم في زمن الاضطرابات الإقليمية، وهو ما سيرسم ملامح مستقبل الجنوب السوري لسنوات قادمة، سواء استمر كحقيقة ميدانية أو تحول إلى جزء من تسوية سياسية.