نبض سوريا - متابعة
في قراءة نقدية للواقع السوري رأى الصحفي هيثم حسن أن البلاد تعيش أزمة تتجاوز الجانب السياسي لتطال المجتمع بأكمله، معتبراً أن التغيير الذي كان يأمل ان يقود إلى بناء دولة قائمة على الحرية والديمقراطية افسح المجال أمام ممارسات وصفها بأنها تنذر بمزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.
واستهل حسن مقاله بسلسلة من الأسئلة البلاغية التي قال إنها تختصر حجم الأزمة، متسائلاً: "إن كان ثمة ثورة.. فأين الثوار؟ إن كان ثمة وطن.. فأين الوطنيون؟ إن كان ثمة شرف.. فأين الشرفاء؟ إن كانت ثمة حرية.. فأين الأحرار؟"، معتبراً أن هذه التساؤلات تعكس، من وجهة نظره، جوهر المأزق الذي وصلت إليه البلاد.
وقال إنه كان من بين الذين دعموا رحيل النظام السابق، إيماناً منه بأن تحرير السوريين من الاستبداد سيكشف عن أفضل ما لديهم، وسيمنحهم الفرصة لبناء مشروع وطني يمنع عودة أي نظام ديكتاتوري.
وأضاف أنه كان يعتقد أن المجتمع السوري يمتلك قيماً وطنية وأخلاقية جامعة، وأن ما ظهر من سلوكيات سلبية خلال العقود الماضية لم يكن سوى نتيجة مباشرة للقمع الذي فرضته السلطة.
وأشار إلى أنه كان يراهن أيضاً على أن العولمة وثورة الاتصالات ستتيح للمجتمع السوري تجاوز المراحل الانتقالية بسرعة، وبناء مجتمع مدني تعددي يؤمن بالديمقراطية والحرية، معتبراً في ذلك الوقت أن العقبة الأساسية أمام هذا التحول كانت السلطة المستبدة فقط.
وأضاف أنه كان يرفض المقولة التي تزعم أن الديمقراطية لا تناسب شعوب الشرق العربي، كما كان يشكك في الروايات التي روجت لها بعض الأنظمة العربية بشأن خطر التيارات الأصولية، انطلاقاً من قناعته بأن أي شعب يحصل على فرصة لبناء مستقبله لن يفرط بها طواعية.
إلا أن حسن عاد ليقر بأن تلك القناعات كانت، بحسب وصفه، مجرد ظنون لم تصمد أمام الواقع، موضحاً أنه توصل إلى قناعة مختلفة مفادها أن "المجتمع وسلطانه وجهان متطابقان"، وأن المجتمع ينتج سلطاته، كما تعيد السلطات إنتاج المجتمع، متسائلاً، في سياق ساخر، عما إذا كان السوريون بحاجة إلى "انتداب جديد" يدخلهم العصر الحديث، في إشارة إلى الحاجة لإعادة بناء الوعي المجتمعي.
ورأى أن الشعوب والأنظمة والقوانين والمؤسسات القضائية والتعليمية والعسكرية في المنطقة لا تزال، وفق تعبيره، تنتمي إلى "العصور السالفة"، ولا تشبه العصر الحالي، مستشهداً بالمثل الشعبي "ما حدا أحسن من حدا"، ليشير إلى أن الجميع يتقنون ادعاء المظلومية، لكنهم يعيدون إنتاج الممارسات ذاتها التي كانوا ينتقدونها بمجرد وصولهم إلى مواقع النفوذ أو السلطة.
وأكد أن أكثر ما يؤلمه ليس الجدل السياسي، وإنما ما وصفه بضياع أحلام السوريين، قائلاً إنه لا يشعر بالحسرة إلا على "حسرات الآباء ودموع الأمهات وأحلام الصغار الضائعة بين مظلوميات السوريين بأكثريتهم وأقليتهم، وبين حنا الأكثرية ومانا الأقلية، ضاعت لحنا جميعاً".
وانتقل حسن بعد ذلك إلى التعليق على ما وصفه بـ"غزوات الثوار على مستوطنات الشبيحة"، وهو التعبير الذي قال إن البعض بات يستخدمه، معتبراً أن ما يجري يقدم نموذجاً لما أسماه "حرية القتل، وحرية التهجير، وحرية الإساءة للمعتقدات، وحرية القذف وسب الأعراض"، مضيفاً أن هذه الممارسات، من وجهة نظره، لا تمت بصلة إلى مفهوم الحرية الحقيقي.
وأكد أن مرتكبي هذه الأفعال لن يحققوا أي مكسب، قائلاً إنهم "لن يغيروا في الأمر شيئاً، ولن ينالوا سوى سوء العاقبة وخيبة الرجاء، وضياع دنياهم وآخرتهم".
وفي جانب آخر من مقاله، وجّه حسن رسالة إلى من يُتهمون بأنهم "شبيحة" في عدد من المحافظات السورية، من بينها دير الزور وحلب وإدلب وتدمر واللاذقية وطرطوس وحمص وسهل الغاب، إضافة إلى أحياء في دمشق، داعياً إياهم إلى التحلي بالصبر وضبط النفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات.
وقال إن من حق هؤلاء أن يشعروا بالخوف، لأن من يهددهم، بحسب وصفه، "مجموعة من المرضى النفسيين الذين لا يمكن التنبؤ بسلوكهم"، داعياً في الوقت نفسه إلى عدم الخوف منهم، بل إلى الشفقة عليهم، لأنهم، وفق تعبيره، يدمرون ما بنوه بأيديهم ويعيدون إنتاج مسار يقود إلى الانهيار.
ووصف حسن من يمارسون تلك الأفعال بأنهم "غوغاء" يسعون وراء السلطة والمال، ويشكلون، بحسب رأيه، خطراً على سوريا وأبنائها، وعلى مستقبل البلاد بأكمله.
واختتم مقاله برسالة تحذيرية قال فيها إن الندم في المستقبل لن يكون من نصيب من يرتكبون هذه الأفعال، بل سيطال من يستطيع إيقافها ولا يفعل، ومن يظن أنه بمنأى عن آثارها، أو يعتقد أن الظلم يمكن أن يصنع عدالة أو يحقق استقراراً دائماً.
وختم حسن مقاله بعبارة قال إنها تلخص رؤيته للمشهد السوري الراهن: "انتظر حريقاً، وأحذر من حريق، وأرى حريقاً في الأفق.. هل من عاقل؟"، معتبراً أن ما تشهده البلاد اليوم ليس ثورة ولا حرية بل فوضى مدمرة تهدد الجميع وتزرع بذور حرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله.