كيف حوّلت سلطة دمشق "جامع الخردة" في حمص إلى متهم بـ"المشفى العسكري"؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -متابعة   

في مشهد يعكس بدقة ملامح العدالة الانتقائية التي تنتهجها الإدارة السورية الجديدة، تتحول مهنة جمع الخردة من وسيلة للعيش الكريم إلى جريمة تستوجب الاعتقال، بينما يظل من خدموا فعلياً في المرافق الحيوية بعيدين عن أي مساءلة. قضية المساعد السابق في الجيش السوري، محمد علي منصور، ليست مجرد حالة فردية، بل نموذج مكتمل العناصر لسياسة انتقامية طائفية تمارس تحت غطاء "محاكمة فلول النظام"، حيث يُعتقل أبرياء بتهم مفبركة، لمجرد انتمائهم لبيئة معينة.


هذا التباين الفاضح في التعامل، كما تؤكده التحقيقات الميدانية وشهادات المقربين، لم يقتصر على محمد وحده، بل طال قامات علمية وطبية بارزة، كالدكتور علي عاصي وأطباء آخرين في دمشق وحمص، اعتقلوا بتهم باطلة لمجرد كونهم من المكون العلوي، في وقت لم يُقدم فيه أي مسؤول على محاكمة نظرائهم من أبناء السنة الذين خدموا في المشافي العسكرية والقطاعات الأمنية ذاتها.


تعود جذور القصة حسب مصدر محلي مقرب من عائلة المعتقل  إلى عام 2011، حين تطوع محمد علي منصور، ابن حي المهاجرين في حمص، في الفرقة 18 العسكرية هرباً من الفقر المدقع الذي كانت تعاني منه أسرته ،عُين عنصر إشارة، لكن سرعان ما انقلبت حياته رأساً على عقب مع اندلاع الأحداث، إذ فُرز إلى مفرزة الرستن التابعة للأمن العسكري، التي تعرضت لهجوم دموي من قبل مسلحين، قُتل خلاله عدد من زملائه، وخُطف هو نفسه.


وأضاف المصدر أن محمد أمضى ثلاثة أشهر في الأسر، تعرض خلالها لأبشع أنواع التعذيب الجسدي، ولم يفرج عنه إلا بعد دفع فدية قدرها 3 ملايين ليرة سورية، جمعها أهل الخير لإنقاذ حياته وبعد هذه المحنة، عاد إلى كتيبة الإشارة بالفرقة 18، وظل فيها حتى عام 2018، مشاركاً في حواجز المؤازرة بحمص لمنع تسلل السيارات المفخخة، حتى انتهت التسويات في المنطقة.


 وفي عام 2021، وبينما كان يؤدي مهمة قتالية في صحراء تدمر لمواجهة تنظيم "داعش"، استُهدفت عربة الـ BMB التي كان يستقلها بصاروخ حراري، لينجو محمد بأعجوبة وبإصابات طفيفة، بينما احترقت العربة بالكامل واستُشهد رفاقه، واحترقت بندقيته العسكرية غير أن الجيش لم يكرّم تضحيته، بل أحاله إلى الشرطة والقضاء العسكري بتهمة "فقدان السلاح"، ليصدر بحقه حكم بالسجن 6 أشهر وغرامة مالية قدرها 25 مليون ليرة سورية، مما دفعه إلى الفرار من الخدمة والاختباء منذ عام 2022.


بعد إدانته ظلماً بحسب المصدر، وجد محمد نفسه في مواجهة واقع اقتصادي قاسٍ، إذ دفعته الغرامة المالية الباهظة إلى ترك الجيش والبحث عن أي مورد رزق لإطعام أطفاله الأربعة ومساعدة والده المريض، لم يجد أمامه سوى مهنة جمع البلاستيك والخردة من مقالب القمامة، في مشهد مهين يختصر حجم التهميش الذي يعانيه أبناء المكون العلوي حتى في أدنى درجات الكفاف.


 في عام 2024، وخلال قيامه بجمع الخردة، اعتقلته دورية مشتركة وأودعته سجن "البالوني" سيئ السمعة حتى سقوط نظام الأسد لكن المفارقة الأكبر جاءت بعد خروجه، إذ أعادت عناصر ما يعرف بـ"سلطة دمشق" اعتقاله مجدداً، هذه المرة بتهمة ملفقة تدعي أنه "كان يخدم في المشفى العسكري" ويُسهل عمليات القمع.


وهنا تتبدد فضيحة التلفيق بوضوح، فوفق الوثائق العسكرية وشهادات زملائه، لم يداوم محمد في مشفى حمص العسكري ولا حتى لدقيقة واحدة، ولم يُعين على حاجز باب الدريب، بل كان مجرد عنصر إشارة مهمته الأساسية تمديد أسلاك الهاتف، ولا صلة له بالقطاع الطبي من قريب أو بعيد، فكيف لرجل قضى عمره في جمع الخردة وإطالة أسلاك الهاتف أن يتحول فجأة إلى طبيب أو مسعف في مشفى عسكري؟


يرى مراقبون وناشطون حقوقيون أن قضية محمد منصور ليست حالة فردية، بل تكشف عن نمط ممنهج من الاعتقالات الانتقائية التي تمارسها الإدارة الجديدة بحق أبناء المكون العلوي، في إطار تصفية حسابات طائفية لا علاقة لها بالعدالة الانتقالية الحقيقية، فبينما يُترك العشرات من أبناء السنة الذين خدموا فعلياً في المشافي العسكرية وشاركوا في الأجهزة الأمنية دون مساءلة، يُعتقل علويون بتهم مفبركة لا تستند إلى أي دليل مادي.


هذه الممارسات، التي تذكر السوريين بأسوأ أيام القمع والإقصاء، تهدد بتعميق الاحتقان الطائفي وتقويض أي فرصة لمصالحة وطنية حقيقية، إن تحويل "جامع خردة" يعاني الفقر ويحاول إطعام أطفاله إلى "مجرم حرب" يستحق السجن، ليس فقط ظلماً فادحاً بحق محمد منصور، بل إهانة لكل المعايير الإنسانية والقانونية التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة الجديدة.