نبض سوريا - خاص
منذ الإعلان عن آلية تشكيل مجلس الشعب في سوريا، عاد سؤال قديم ليفرض نفسه بقوة: ما الذي يجعل أي مجلس نيابياً يمثل المواطنين؟ هل يكفي أن يحمل اسم "مجلس الشعب"، أم أن شرعيته تبدأ من الطريقة التي يصل بها أعضاؤه إلى مقاعدهم؟
وفق الآلية المعلنة، يتم اختيار ثلثي أعضاء المجلس من قبل لجنة شكّلها الرئيس أحمد الشرع، بينما يعين الرئيس بنفسه الثلث المتبقي. وبذلك فإن جميع أعضاء المجلس يصلون إلى مناصبهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر السلطة التنفيذية، وليس عبر انتخابات عامة يشارك فيها السوريون.
وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية فالفارق بين الانتخاب والتعيين ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، بل هو اختلاف في مصدر الشرعية السياسية، فالمجلس المنتخب يستمد صفته التمثيلية من أصوات المواطنين، أما المجلس الذي يتشكل بالتعيين فإنه يستمد شرعيته من الجهة التي عينت أعضاءه، لذلك فإن تسمية أي مجلس بـ"مجلس الشعب" تفترض أن الشعب هو مصدر تكوينه، بينما يؤدي غياب الانتخابات إلى إثارة تساؤلات حول مدى انطباق هذا الوصف عليه، فالتعيين قد ينشئ مجلساً استشارياً أو هيئة تشريعية معينة، لكنه لا يمنحها تلقائياً الصفة التمثيلية التي يمنحها الاقتراع العام.
هذه النقطة ليست مجرد تفصيل إداري، بل تمثل جوهر فكرة البرلمانات في الأنظمة السياسية الحديثة، فالبرلمان وُجد ليكون سلطة مستقلة تمثل المجتمع، وتراقب الحكومة، وتحاسبها، وتناقش مشاريع القوانين والسياسات العامة من موقع مستقل ،أما عندما تصبح السلطة التنفيذية هي صاحبة القرار في تشكيل البرلمان نفسه، فإن مبدأ الفصل بين السلطات يصبح موضع تساؤل.
الرقابة الحقيقية لا تنشأ من علاقة تبعية، بل من استقلال الإرادة، فمن الصعب أن يُتوقع من مجلس تشكل أغلبيته بقرار من السلطة التنفيذية أن يتحول إلى جهة رقابية مستقلة أو أن يعارضها في القضايا المصيرية، لأن شرعية أعضائه لا تستند إلى أصوات الناخبين، بل إلى قرار التعيين.
ويزداد هذا الجدل مع وجود عدد كبير من الأعضاء الذين تُنسب إليهم خلفيات أو علاقات قريبة من هيئة تحرير الشام أو من الإدارة الجديدة، وحتى لو امتلك بعضهم كفاءة علمية أو خبرة مهنية، فإن الإشكالية لا تتعلق بالأشخاص، بل بطريقة تشكيل المؤسسة نفسها،فالديمقراطية لا تُبنى على الثقة بالأفراد، وإنما على قواعد تضمن استقلال المؤسسات وتوازن السلطات.
قد يرى مؤيدو هذه الآلية أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية استثنائية تجعل التعيين خياراً مؤقتاً لتسريع بناء مؤسسات الدولة، وهذا طرح قابل للنقاش في ظروف ما بعد النزاعات، لكن حتى في المراحل الانتقالية، تبقى شرعية المؤسسات مرتبطة بوجود مسار واضح نحو انتخابات حرة، لأن التعيين بطبيعته إجراء استثنائي، بينما الانتخاب هو الأصل في المجالس التي تدّعي تمثيل الشعب.
إن المشكلة ليست في الاسم وحده، وإنما في الوظيفة والشرعية معاً، فإذا كان الشعب لم يشارك في اختيار أعضاء المجلس، ولم تكن العضوية نتيجة تنافس انتخابي، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: من يمثل هذا المجلس فعلاً؟ وهل يمثل المواطنين، أم يمثل الجهة التي منحته شرعيته؟
في النهاية، لا تُقاس قوة البرلمانات بعدد أعضائها أو فخامة مبانيها، بل بقدرتها على مساءلة السلطة التنفيذية وتمثيل المجتمع بمختلف فئاته ،فالشرعية الشعبية ليست شعاراً يُكتب على واجهة المؤسسة، بل هي عقد سياسي يبدأ من صندوق الاقتراع، وعندما يغيب هذا الصندوق، يصبح اسم "مجلس الشعب" موضع نقاش، لأن الشعب لم يكن هو من اختار أعضاءه، بل اختارتهم السلطة نفسها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.