الكاتبة نجاة عبد الصمد توثق..
كيف حولت السلطة المؤقته أجساد النساء إلى ساحة حرب في السويداء؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة

وثقت الكاتبة السورية الدكتورة نجاة عبد الصمد، في مقالها المعنون "ثقافة السبي"، ما تعرضت له نساء محافظة السويداء من انتهاكات جسدية وجنسية ممنهجة، على يد قوات السلطة المؤقتة السورية وفزعة العشائر، خلال حملتها العسكرية التي انطلقت فجر 13 تموز 2025.


وتروي الكاتبة  " في اول اقتحام لقوات السلطة المؤقتة كان  الإعلامي ساري الشوفي يغطي الأحداث في قريته تعارة التي تعد بوابة لريف السويداء الغربي سقط الشوفي كواحد من أوائل الشهداء في قريته وآخر تسجيل أرسله على موبايله كان: "أنا أموت.. أجلوا النسوان"، وهي العبارة التي ترددت على لسان الناجين، مؤكدة أن النساء كنّ الهدف الأبرز في الهجوم، وأن غريزة الأهالي دفعتهم إلى محاولة إجلائهنّ أولاً، لكن الهجمة المباغتة من عدة محاور جعلت ذلك مستحيلاً، وسط فوضى وشح في البنزين وازدحام الطرقات.


واشارت عبد الصمد إلى أن الانتهاكات لم تقتصر على القتل والحرق، بل شملت جرائم جنسية مروعة، بعضها ارتُكب داخل دور العبادة، تلتها عمليات اختطاف للنساء والأطفال بالاستدراج أو التهديد بالسلاح وتفاجأ الناشطون في التوثيق بحجم هذه الجرائم التي حدثت خلال المعارك  وليس بعد انتهائها،" معقول متى لحقوا يغتصبوهم".


يقول تاريخ الحروب إن تثبيت المنتصر لدمغة انتصاره على اجساد النساء يأتي بعد انتهاء المعارك وبسط سيطرته على المدن وهو مالم يتحقق في السويداء وهو ما اعتبرته الكاتبة درساً قاسياً في أن الوعي الشعبي الفطري قد يكون أسرع من الأكاديمي.


وتورد الدكتورة نماذج من الانتهاكات الموثقة، التي تراوحت بين التحرش والتفتيش المهين، والإجبار على التعرّي، وعشرات حالات الاغتصاب الجماعي لنساء وطفلات أمام أهاليهن، حيث قالت إحدى الفتيات لأبيها: "غمض عيونك يا بيي". وفي إحدى الحالات، اغتُصبت امرأة مع بناتها الأربع على يد عدة مهاجمين، وفي أخرى أُجبرت الضحية على طهو الطعام لمغتصبيها ومجالستهم وهم يأكلون.


وكشفت  عبد الصمد عن وحشية إضافية تمثلت في قتل بعض الضحايا بعد اغتصابهن، والتمثيل بأجسادهن، وإطلاق النار على مناطق تناسلية، وتصوير الجثث ونشرها وذكرت قول أحد المغتصبين لضحيته: "أقتلك شرعاً كي لا أفسح لمائي أن يخصب في رحم درزية"، موجهاً رشاشه إلى حوضها لتتمزق وتموت ببطء، في إشارة واضحة إلى البعد الطائفي للجريمة.


واستعرضت الكاتبة تقديرات طبيب نسائية بأن حالات الاغتصاب تجاوزت المئة، فيما وصل عدد محدود منها إلى المشفى، بينما دفن الأهالي ضحاياهم بصمت، وهمسوا بأسماء بعض المقتولات بعد اغتصابهن. وبينت أن عناصر داعش والفصائل المتطرفة كانوا يقتلون الضحية فوراً، بينما لم يقتل عناصر الأمن العام جميع ضحاياهم.


وفي سياق الاختطاف، اشارت الدكتورة إلى تقرير خبراء إلى الأمم المتحدة في 21 آب 2025، أفاد بخطف ما لا يقل عن 105 امرأة وفتاة درزية، وما زال 80 منهن مفقودات. فيما وثق المرصد السوري 293 حالة اختطاف، أُعيد 42 منهن بتبادل أسرى، واحتُجزت اثنتان في سجن عدرا، وقُتلت 14. وعادت بعض المختطفات إلى منازلهن بصمت، فيما قُتلت اثنتان على أيدي عائلاتهما "غسلاً للعار"، وبقيت خمس في جرمانا خوفاً من الوصمة.


ولفتت الكاتبة إلى أن هذه الانتهاكات ليست الأولى، بل سبقتها حالات مشابهة في هجوم أيار 2025 على الريف الشمالي، حيث اغتُصبت امرأة على يد 13 عنصراً من داعش على مدى ثلاثة أيام، قبل أن تلوذ بالفرار مع طفلتها. وتستذكر أيضاً هجوم داعش يوم الأربعاء الأسود 2018، حين تعرضت بعض المختطفات للطلاق والرفض المجتمعي بعد عودتهن.


وخلصت الدكتورة  عبد الصمد إلى أن هذه الانتهاكات تحمل دلالات متعددة، وتفند بنية الطرف المرتكب الأمنية والفقهية السلفية، من خطابه التحريضي إلى سلوكه المناقض لمفاهيم الأخلاق والدين وقوانين الحرب، التي تحييد النساء والأطفال عن النزاع. لكن السلطة حولت أجساد النساء إلى ساحة حرب، مستهدفة إياهن كنساء وكدرزيات، واقترفت الاغتصاب داخل دور العبادة إمعاناً في الإذلال، واستخدمت ملف المختطفات أداة ضغط في التفاوض.


وختمت  الكاتبة بالإشارة إلى موقف بعض شرائح الجمهور السوري، ومن بينهم نساء ناشطات، من التهليل للاغتصاب والشماتة بالضحايا، وترويجهم لفكرة "السبي" كأنها ممارسة مشروعة، في جريمة أخلاقية تضاف إلى جرائم العنف الجسدي، تُحقّر الضحية وتُمعن في إذلالها، وتعيد إحياء مفهوم "السبي" بلغة وضيعة تختزل الإنسان في جسده وهويته.


وطرحت الدكتورة نجاة عبد الصمد، في توثيقها لهذه الانتهاكات، أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة حول كيفية تحول أجساد النساء إلى ساحات حرب، وحول صمت المجتمع الدولي تجاه جرائم عنف ممنهجة ترتكب باسم الدين والسبي، وتدعو إلى ضرورة كسر الصمت المجتمعي وتجريم هذه الممارسات التي تنتهك أبسط معايير الإنسانية، وتُعيد المنطقة إلى عصور الاستباحة تحت غطاء شرعي مفبرك.