ينتقد المجتمع الدولي والسلطة المؤقتة..
رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك يحذر السوريين من العودة ويصف الأوضاع بـ"الكارثية"

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -متابعة   

أكد رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك، المطران جاك مراد، أن الأوضاع الأمنية والاقتصادية في سوريا لا تزال تشهد تدهوراً خطيراً، محمّلاً الحكومة السورية الجديدة والمجتمع الدولي مسؤولية ما وصفه بـ"الكارثة الاجتماعية والإنسانية".


وقال المطران مراد، البالغ من العمر 58 عاماً، خلال لقائه مع وكالة "كاثبرس" ووسائل إعلام أخرى في العاصمة النمساوية، إن "أياً من هذه الأطراف لا يهتم فعلياً بمصلحة الشعب السوري"، مشيراً إلى أن غياب الرؤية الحقيقية للمستقبل يزيد من معاناة المواطنين.


واستعرض رئيس الأساقفة ذاكرة سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، واصفاً إياه بـ"اللحظة التاريخية التي احتفل بها الجميع" وأضاف: "اعتقدنا أننا حصلنا أخيراً على الحرية، وفي تلك الليلة استطعت أن أنام بعمق وراحة للمرة الأولى منذ سنوات". 


لكنه أوضح أن هذا الفرح لم يدم طويلاً، إذ اندلعت بعد شهرين فقط اشتباكات مسلحة وهجمات من ميليشيات إسلامية على الطائفة العلوية في حمص. وتابع: "أدركت في تلك اللحظة أننا لا نزال لا نملك الحرية، ومنذ ذلك اليوم بدأ كفاحي من أجلها من جديد".


ووجّه المطران مراد انتقادات لاذعة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، متّهماً إياها بعدم إبداء اهتمام حقيقي بإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط. 


وأشار إلى أن هذا التراجع الدولي انعكس سلباً على وجود المسيحيين في سوريا، حيث لم يتبقَّ سوى ما بين 300 ألف و350 ألف مسيحي من أصل نحو مليونين كانوا يعيشون في البلاد سابقاً وحذّر قائلاً: "إذا استمر الوضع على هذا النحو، فستنقرض المسيحية في هذه المنطقة".


وصف رئيس الأساقفة الأوضاع الأمنية في سوريا بـ"الشديدة الخطورة"، مستشهداً بحوادث مروّعة مثل مقتل أم وطفليها قبل أيام مؤكدا أن الحكومة الجديدة، التي تتولى السلطة منذ مطلع عام 2025، "إما غير قادرة أو غير راغبة في كبح جماح العنف المنتشر"، مشيراً إلى انتشار الأسلحة والجماعات السنية العنيفة في كل مكان.


وأوضح أن أعمال الانتقام تستهدف في المقام الأول العلويين والدروز، الذين يُتهمون بشكل تعميمي بالتعاون مع نظام الأسد، معتبراً أن هذه الذريعة "غير صحيحة ولكنها مناسبة لاستهداف الأقليات الدينية" وأضاف: "هؤلاء المتطرفون يكرهون العلويين والدروز أكثر مما يكرهون المسيحيين".


رغم أن المسيحيين ليسوا في صدارة أهداف الإسلاميين حالياً، فإن المطران مراد أكد أن الحرية الدينية في سوريا تشهد تدهوراً ملحوظاً، إذ تتحول البلاد من دولة علمانية إلى مجتمع ذي طابع إسلامي متزايد مستغربا  من تركيبة البرلمان السوري الجديد التي تضم ستة مسيحيين وخمس نساء فقط، متسائلاً: "لماذا هذا العدد الضئيل؟" مشيراً إلى أن غالبية الأعضاء من الإسلاميين الأصوليين، بينهم كثيرون قدموا من معقل الإسلاميين في إدلب.


وحذّر رئيس الأساقفة من انهيار اقتصادي شامل، حيث أصبحت الرعاية الطبية كارثية والكثير من السوريين عاجزين عن تحمّل تكاليف الغذاء الأساسي أو الإيجارات المرتفعة مناشدا المجتمع الدولي تنفيذ مشاريع ملموسة لإعادة الإعمار وتحقيق السلام، ولاسيما  الاستثمار في التعليم والمدارس وتوفير فرص العمل للشباب الذين يعتبرهم "مفتاح المستقبل".


يُذكر أن المطران جاك مراد أصبح معروفاً دولياً عام 2015 بعد اختطافه من قبل تنظيم "داعش" من دير مار إليان في سوريا، واحتجازه رهينة لعدة أشهر وقد تدخل البابا فرنسيس آنذاك من أجل إطلاق سراحه.


 وروى مراد خلال لقائه في فيينا تفاصيل محنته، قائلاً إن خاطفيه هدّدوه قائلين: "اعتنق الإسلام وإلا سنقطع رأسك" وأوضح أن إيمانه وصلاته لمريم العذراء ساعدته على تجاوز الخوف وتحويله إلى شجاعة، مشيراً إلى أنه كان يصلي المسبحة الوردية كلما شعر بالخوف.


تمكن مراد في الشهر الخامس من احتجازه من الفرار بمساعدة رجل مسلم شارك في تنظيم هروب عشرات الرهائن، وقد قُتل لاحقاً على يد عناصر التنظيم ودوّن تجاربه في كتاب بعنوان "راهب في الأسر".


زار المطران مراد يوم الثلاثاء مؤسسة "برو أورينتي" في فيينا، حيث ناقش مع رئيسها كليمنس كويا ومديرة البرامج فيولا راهب، إمكانية تنظيم ورش عمل شبابية في حمص، بهدف دعم الشباب وتمكينهم. 


وأكد أن حمص، التي تجمع أتباع ديانات ومجموعات عرقية مختلفة، بحاجة إلى مزيد من مساحات اللقاء التي تتجاوز الحدود الطائفية والدينية لتحقيق العيش المشترك والمصالحة وقال: "نحتاج إلى رؤية الناس الموجودين على الأرض، والاستماع إليهم، والعمل معهم من أجل المستقبل، ليس بالكلمات فقط، بل بالفن والثقافة والإبداع".


المطران جاك مراد، المولود في حلب، أدى نذوره الرهبانية عام 1993 في جماعة دير مار موسى الحبشي، ورُسم كاهناً في العام نفسه وأعاد بناء دير مار إليان في القريتين قرب حمص، وتولى إدارته حتى اختطافه عام 2015. 


وفي يناير 2023، أكد البابا فرنسيس انتخابه رئيساً لأساقفة حمص، وتمت سيامته أسقفاً في مارس 2023 و ينتمي إلى الكنيسة السريانية الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها نحو 150-200 ألف شخص حول العالم، ويتخذ مقر بطريركيتها في بيروت منذ عام 1920.