نبض سوريا - متابعة
لم تخرج مقابلة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع قناة الجزيرة من دائرة الانتقادات الواسعة، إذ رأى سياسيون واقتصاديون وكتّاب أنها أضاعت فرصة نادرة لتقديم رؤية تنفيذية، واستبدلت التفاصيل الجريئة بخطاب فضفاض يثير الجدل العابر ولا يلمس جوهر الازمات.
المختص بالشؤون الاقتصادية محمد علبي يرى أن الهدف الأساسي لهذه المقابلات هو "إثارة الجدل حول مسائل قشريّة"، بينما تتجنب طرح أي مسألة جوهرية عن السياسات القائمة، مكتفية بـ"التمنيات" التي يشعر معها المشاهد وكأنه يستمع إلى "مراقب ياباني أو عضو في حزب الخضر النرويجي".
واعتبر أن المقابلات التي تُصنع انطباعاً نفسياً بأن كل شيء يسير بشكل صحيح هي "الأكثر كذباً"، مؤكداً قدرته على توقع محتواها مسبقاً: حديث فضفاض عن مستقبل مشرق واستثمارات قادمة، وهو خطاب لا يكلف الحكومة شيئاً، بينما المكلف حقاً هو الحديث عن تفاصيل السياسات وقبول المساءلة.
وشدّد علبي على أن "الخطاب الفضفاض كالزئبق لا يمكن إمساكه من طرف"، وهذا يقلّص مساحة المساءلة ويتيح الإفلات من المسؤولية، فالمواطن لا يحتاج إلى وعود رائعة، بل إلى شرح عملي لكيفية الوصول إليها. ويصف محاولات السلطة الانتقالية التهرب من الإجابات بأنها "استراتيجية" لا نقطة ضعف، والإعلام يوفّر منصة لتنفيذها دون توجيه أسئلة قطعية.
من جانبه، ركز المحامي والكاتب السياسي زيد العظم في نقده على سؤال وجّهه الإعلامي علي الظفيري خلال المقابلة، حين قال إن "الديمقراطية لم تعد إلحاحاً كبيراً في أوروبا" وهو ما اعتبره العظم ادعاءً يحتاج إلى دليل عملي.
ودعا الظفيري أن يقدّم مثالاً عملياً واحداً يدعم هذا الاستنتاج! هل رأى مثلاً أن دولة أوروبية قررت أن الانتخابات لم تعد ضرورة ملحّة لاختيار نواب الشعب؟ هل تخلت دولة أوروبية عن حق البرلمان في مساءلة الحكومة أو سحب الثقة منها؟ وهل أصبحت شرعية الحاكم في دولة أوروبية ما تُستمد من تعييناته الشخصية بدل صناديق الاقتراع؟ ربما فرانكو وموسوليني عادوا وليس لدينا خبر."
وشدّد العظم على أن الفرق كبير بين القول إن الديمقراطيات الأوروبية تواجه تحديات، وبين الادعاء أن الديمقراطية نفسها لم تعد مطلباً ملحّاً، لا سيما أن المؤسسة الإعلامية ذاتها التي يعمل بها الظفيري ترى أن الديمقراطية أولوية كبيرة عندما تتناول الشأن التونسي الراهن، وهذا حق وواجب في طبيعة الأحوال، لكن استعمال هذا المبرر في سياق سوري، وفق العظم، يبدو محاولة لتخفيف الضغط على الرئيس الانتقالي وتبرير غياب أي خارطة طريق ديمقراطية واضحة.
انضم إلى الناقدين المحقق الحقوقي ومدير الآلية السورية للتحقيق ياسر شالتي، الذي انتقد المقابلة معتبراً أنها "لم تقدم حقيقة محددة أو مؤشراً قابلاً للقياس أو خطة واضحة لمعالجة أي من الأزمات التي تواجهها البلاد".
وقال شالتي إنه حاول متابعة المقابلة بحثاً عن رؤية واضحة لمسار سياسي أو اقتصادي أو أمني، لكنه لم يجد سوى "عموميات واستعراض شخصي"، من دون مقترحات عملية أو حلول يمكن تقييمها.
وأشار إلى أن المقابلة جاءت في وقت تواجه فيه سوريا أزمات ثقة متفاقمة، إلى جانب أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، وما تشهده مناطق الشمال والجنوب من أحداث خطيرة، بينما غابت عنها، وفق تقييمه، أي رؤية لمعالجة هذه الملفات.
وتناول الشرع خلال المقابلة طيفاً واسعاً من القضايا الداخلية والإقليمية، من العلاقة مع "إسرائيل" وروسيا ولبنان إلى ملف "قسد" والاقتصاد والمفقودين وإدارة الدولة، إلا أن شالتي رأى أن اتساع العناوين لم يقابله مضمون تنفيذي يوضح ما ستفعله السلطة ومتى وكيف. وهذا، برأيه، ينقل النقاش من الاعتراض على بعض أجوبة الشرع إلى التشكيك في القيمة السياسية للمقابلة بأكملها، باعتبارها عرضاً عاماً للمواقف لا كشفاً لخطة حكم.
ويرى محللون سياسيون أن مقابلة الرئيس المؤقت أحمد الشرع "لم تقل أي شيء جدي على صعيد الملفات السياسية"، مشيرين إلى أن الإعلامي علي الظفيري، رغم تميزه المهني، سأل أسئلة متكررة ومتوقعة حول كيفية رؤية الشرع للعلاقة مع أمريكا والغرب وإسرائيل ولبنان والعراق، وهي أسئلة كان المفترض أن يعرف إجاباتها مسبقاً، ما جعلها تبدو غير مثيرة وتشعر المشاهد بالملل، خاصة أن كلام " الشرع" بدا وكأنه من المسلمات، ولم يحاججه الظفيري بأي جملة قالها سابقاً.
واستغرب المحللون ان تغييب أسئلة أكثر إلحاحاً، مثل آفاق العلاقة مع إيران، ومصير التسويات مع رموز النظام السابق سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، وملف السويداء والساحل، والانتهاكات التي تحدث بين الحين والآخر بحق مواطنين سوريين، ومصير مجلس الشعب الجديد.
ويرون أنه يمكن اختصار المقابلة بتكرار المواقف المعروفة سابقاً من قبل الشرع، محملين الجزيرة مسؤولية "تعطيل عمل محامي الشيطان" في هذه المقابلة، وهو ما وصفوه بـ"الكارثة المهنية" التي تحرم المشاهد من اختبار حقيقي لأداء الرئيس وقدرته على مواجهة الأسئلة الصعبة.
النتيجة المؤلمة حسب صوت الشارع السوري أن الشرع خرج من المقابلة كما دخلها: يحمل نفس الأجوبة، يردد نفس العبارات، ويتجنب نفس الأسئلة أما السوريون، فخرجوا منها كما دخلوها: بلا خطة، بلا أرقام، بلا مواعيد، وبلا أي أمل جديد سوى ذلك الخطاب الذي يعرفون نهايته قبل بدايته.
والأخطر حسب ما تابعته وكالة "نبض سوريا"من تعليقات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي أن الإعلام العربي، الذي يفترض فيه أن يكون صوت الشعب، تحوّل إلى مذياع ينقل التمنيات بدل أن يكون سوط مساءلة، فإذا كانت الجزيرة، بهذا الحضور وهذا الإمكان، غير قادرة على انتزاع إجابة واضحة من رئيس انتقالي ، فمن سيفعل؟ وإذا كان "محامي الشيطان" قد تعطّل في هذه المقابلة، فمتى سيعود المواطن ليجد من يدافع عن حقه في المعرفة؟